السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيأزمة «الحركة الإسلامية»!.. بقلم مدى الفاتح

أزمة «الحركة الإسلامية»!.. بقلم مدى الفاتح

سودان تمورو:

الإفادات التي قدمها المنشق عن الحركة الإسلامية السودانية المحبوب عبد السلام، لدى لقائه بقناة «سكاي نيوز» عربية قبل أيام، أثارت حفيظة رفاقه القدامى. المحبوب تابع في ذلك اللقاء نقده الحاد للحركة، مع تلميحٍ بدورها في تعقيد المشهد السياسي في البلاد. لم تكن هذه هي المرة الأولى، التي يعبر فيها المحبوب، الذي يكتسب أهميته من قربه السابق من حسن الترابي الشخصية الأهم في تاريخ الإسلام السياسي في السودان، عن هذه الآراء، بل إنه تفرغ منذ سنوات طويلة، لتسليط الضوء على الأخطاء الكثيرة التي صاحبت الأداء السياسي للحركة، والتي لم تؤثر فقط على الجماعة، وإنما على البلاد، بسبب طول التماهي بين الفكرة والحزب والدولة.

للرفاق العقديين، طريقة للتعامل مع الأطروحات الناقدة، التي تخرج من قلب البناء التنظيمي، تنحو نحو التقليل منها ومن صاحبها. هذا الأسلوب متبع لدى حركات اليمين واليسار على السواء، وهو يهدف إلى القفز على النقاط الموضوعية، وعلى الحاجة إلى مراجعة منهج العمل، من أجل التركيز على شخصية الناقد.

من الصعب القول إن المحبوب يتحدث عما لا يعرفه، فهو لم يكن مجرد منتمٍ للحركة، بل كان أحد أسمائها المهمة، بسبب قربه من الترابي خلال الفترة التي كان يجمع فيها بين السلطتين الروحية والسياسية. إذا كان المحبوب هو الاسم الوحيد، الذي اختار الخروج على الحركة، ونزع القدسية عنها، وعن أفكار شيخها، لكان من الممكن القول إنه مجرد حالة شاذة، إلا أن الحاصل هو أن أصواتاً كثيرة كانت ذات ثقل وأهمية قبل عقد، أو عقدين من الزمان باتت توجه أصابع النقد الحاد اليوم.

«الحركة الإسلامية»، التي كانت تطمح لأن تعيد صياغة المجتمع، اتضح أنها فشلت في تربية عضويتها، ما جعلها تتحول إلى مجرد تجمع أخوي في سبيل تحصيل مصالح مشتركة

الرواية السائدة في الإعلام هي أن الإسلاميين مصطفون خلف الجيش السوداني في حربه ضد قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) المتمردة، إلا أن الواقع يخبرنا أن هذه الرواية، التي يستخدمها البعض بشكل مغرض من أجل الربط بين الجيش والإسلام السياسي، ليست دقيقة تماماً، بل الحقيقة هي أن المنتمين للحركة الإسلامية انقسموا بشكل عرقي ما بين الجهتين المتقاتلتين، ففيما فضّل أغلب المنتمين للمناطق المهددة في وسط وشمال السودان أن يبقوا مع الدولة وأن يدعموا مؤسساتها، وعلى رأسها الجيش، من أجل حماية مناطقهم من الخطر، رأى آخرون منحدرون من قبائل «الجنجويد»، أو من الإثنيات المتحالفة معهم، أن ينحازوا إلى صف حميدتي، الذي وجدوا أنه يحقق مصالحهم ويمنحهم ما لا يمكن للدولة أن تقدمه. لا يتعلق الأمر ببضع أسماء انضمت لصف الجنجويد، بل بأعداد لا حصر لها من «الترابيين» السابقين، وهو ما يفسر قول الفريق ياسر العطا خلال إحدى مخاطباته مازحاً، إنه إذا أخرجنا الإسلاميين من صفوف المقاتلين مع حميدتي، فلن يبقى معه سوى المرتزقة الأجانب. الأمر لم يتعلق فقط بعشرات الناشطين المدافعين عن الميليشيا المتمردة، على وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرهم من المتحدثين باسمها على القنوات الإخبارية، والذين كانوا جميعهم تقريباً من أبناء الحركة، ولكن أيضاً بقيادات كبيرة. كان من الصادم، على سبيل المثال، أن يعلن حسبو عبد الرحمن نائب الأمين العام للحركة الإسلامية عن انحيازه للجنجويد،  وتحوله إلى مستشار لحميدتي، ما ذكّر بالمقولة، التي تقول، إن العرق بالنسبة للبعض أهم حتى من رابطة الدين. عوضاً عن التهرب، واعتبار أن كل هؤلاء هم مجرد حالات استثنائية، أو مجرد أفراد تم إغراؤهم بالمال، فإن المطلوب هو التساؤل الجاد: كيف يمكن لشخص يدعي أنه منتمٍ لحركة إسلامية تذوب فيها الفوارق الطبقية والإثنية، أن يتحول بين ليلة وأخرى إلى رجل يأتمر بأمر القبيلة، وينصر أبناء عمومته، حتى إن كانوا فجاراً وظالمين؟

الحديث عن الجنجويد هنا مهم، فنحن لا نتحدث عن مجرد انحياز سياسي أو مجرد اختلاف مدني في وجهات النظر، بل عن الانضمام لمجموعة إجرامية ارتكبت ما لم يرتكبه أحد في تاريخ السودان الحديث، من انتهاكات وجرائم وصلت حد الإبادة الجماعية والعبودية الجنسية والتعذيب لآلاف البشر. كيف يمكن لشخص مثل حسبو عبد الرحمن، أمضى عقوداً من عمره بين جدران الحركة، حتى وصل درجة أن يكون في قيادتها، أن ينسى تعاليم ومبادئ الإسلام البسيطة، وأن يصبح شريكاً في جرائم يترفع عنها حتى أصحاب الديانات الطوطمية؟

يبحث المرء عن إجابة فلا يجد، حزب «المؤتمر الشعبي»، الذي أسسه الترابي عقب خروجه من الحكومة، اجتمعت فيه شخصيات مقربة منه مثل، علي الحاج، الذي كان أيضاً من الشخصيات ذات المكانة السياسية، إبان حكم الترابي/البشير، والذي أصبح اليوم أقرب في موقفه للجنجويد ولمجموعة «صمود» اليسارية المناهضة للجيش، ومثل المحامي كمال عمر، الذي كان هو الآخر مقرباً من شيخه، لكن الذي عمل خلال السنوات الماضية على ترسيخ فكرة غريبة مفادها أن الحزب أقرب «لقوى الثورة اليسارية» منه لباقي رفاق التيار الإسلامي.

«الحركة الإسلامية»، التي كانت تطمح لأن تعيد صياغة المجتمع، اتضح أنها فشلت في تربية عضويتها، ما جعلها تتحول مع مرور الزمن، وبجمعها أعدادا متزايدة من المنتفعين، إلى مجرد تجمع أخوي للتنسيق في سبيل تحصيل مصالح مشتركة. هل هذا التحول هو وليد اليوم؟ لا أعتقد ذلك، فعلى الرغم من شعاراتها الكبيرة وهتافاتها بشأن «حماية الدين»، إلا أن هذه الحركة، بخلاف جماعات أخرى في السودان، كانت الأفقر لناحية التصفية والتربية والانشغال بعلوم الدين، ما فتح المجال لظهور شخصيات أخرى من خارج الجماعة منشغلة بما تجاهلته هي من أمور الدعوة والعلم الشرعي البسيط. كانت هذه الشخصيات تكسب قلوب الملايين وتحظى بالاحترام والمتابعة، فيما كان أبناء الحركة منشغلين بالسلطة. كنت قد عبّرت عن هذا المعنى في مقال نشرته في «القدس العربي» قبيل سقوط نظام البشير في 2019 تحت عنوان: «ما بعد الترابوية». كان المقال يتساءل عن مصير من كانوا متحلقين حول الترابي، ومن كانوا جزءاً من حزبه بعد أعوام على وفاته. حزب «المؤتمر الشعبي» كان الترابي، وما يزال، هو رمزه الوحيد، أما منطق عمله خلال ما يقارب عشرين سنة من عمره فانحصر في الضغط على حزب البشير، «المؤتمر الوطني»، ومحاولة إفشال الدولة، التي تجرأت على إخراج «الشيخ» من السلطة.

مثل بقية أجنحة «الحركة الإسلامية»، التي غلب فيها طغيان السياسة والبراغماتية على ما هو عقدي وأصولي، انشغل «الشعبيون» بهذا الضغط والانغماس الكثيف في السياسة المعارضة أكثر من انشغالهم بأي شيء آخر، حتى وصلنا لدرجة القول، إنه من النادر جداً أن تجد خطيب مسجد ذا شهرة أو عالماً صاحب حلقات فقه، أو دروس من المنتمين الأصيلين للحركة.

المعضلة هي أن هؤلاء الحركيين، حتى إن اقتنعوا بتحولهم إلى مجرد رابطة أخوية، فإنه سوف يصعب عليهم خلع لافتة الإسلام، أو تغيير عنوان حراكهم السياسي، بسبب ما للارتباط بالدين من سطوة اجتماعية. في الوقت ذاته فإن الإصرار على الادعاء بأن الغرض هو تحقيق مشروع إسلامي ما (وليس مجرد الوصول إلى السلطة)، وبخلاف أنه أمر يدرك أصحابه أنهم غير جادين في تحقيقه، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في الإحراج، الذي يسببه هذا الادعاء للدولة، في وقت يرفض فيه، حتى أقرب الحلفاء الإقليميين، أن يستعيد الإسلاميون قبضتهم على البلاد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات