الإثنين, يونيو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالحرب على الوعي!.. بقلم أحمد حسن

الحرب على الوعي!.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو

لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بانفجارٍ يهزّ الأرض، بل بصورةٍ تهزّ العقول. في عالمٍ تتدفق فيه الأخبار لحظة بلحظة، صارت الرواية هي الطلقة الأولى، وصار ميدان الإدراك العام جزءاً لا يتجزأ من ميدان النار. من ينجح في تثبيت قصته في الأذهان، يمتلك أفضليةً قد تفوق أثر الضربة العسكرية نفسها.

منذ عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاها من جولات تصعيد، بدا واضحاً أن إسرائيل لا تدير معاركها بالمنظومات الدفاعية والطائرات المتقدمة فحسب، بل تديرها أيضاً عبر منظومة دقيقة من التحكم في تدفق المعلومات. فالضربة التي تُرى ليست كالضربة التي تُخفى، والصورة التي تنتشر قد تعيد تشكيل ميزان الردع أكثر مما تفعل شظايا الصواريخ.

حين يُستهدف عمق تل أبيب، لا يقتصر التحدي على احتواء الأضرار المادية، بل يتجاوز ذلك إلى احتواء الأثر النفسي. الرقابة العسكرية، التي تُعد جزءاً راسخاً من البنية الأمنية الإسرائيلية، تتحرك سريعاً لضبط ما يُنشر وما يُحجب. في زمن الإعلام الفوري، يمكن لصورة واحدة أن ترفع معنويات طرفٍ وتزرع القلق في طرفٍ آخر، ولذلك تصبح إدارة المشهد البصري أولوية موازية لإدارة الميدان.

تقليل حجم الأضرار في الخطاب الرسمي، أو الاكتفاء بمشاهد محدودة للدمار، يحمل رسالة مزدوجة: طمأنة الداخل ومنع تضخيم الإنجاز في نظر الخصم. فالحرب لم تعد مجرد تبادلٍ للنيران، بل تبادلٌ للتصورات. إذا اقتنع الجمهور بأن الضربة كانت محدودة، انكمش أثرها إلى حدٍ كبير. أما إذا ترسخت صورة الهشاشة في الوعي العام، فقد يتحول حدثٌ عسكري محدود إلى تحولٍ استراتيجي واسع.

في هذا السياق، تغدو التفاصيل الصغيرة أدوات نفسية ذات وزن ثقيل. صورة سقفٍ مثقوب أو واجهةٍ متضررة قد تُستخدم لإيصال رسالة مفادها أن الحياة مستمرة وأن الأضرار تحت السيطرة. وفي المقابل، يتعامل الطرف الآخر مع نجاحه بوصفه إنجازاً مركباً: عسكرياً في الميدان، ونفسياً في الوعي.

هكذا تتداخل حدود الحقيقة والدعاية، وتتحول المعركة إلى صراعٍ على المعنى بقدر ما هي صراعٌ على الأرض. الصاروخ قد يصيب هدفه مرةً واحدة، لكن الصورة قد تعيش طويلاً في الذاكرة، تعيد إنتاج الحدث وتؤثر في قرارات الشعوب وصناع القرار. في النهاية، من ينتصر في معركة الإدراك يضع قدماً ثابتة في طريق الحسم الميداني، لأن الوعي، قبل السلاح، هو الذي يحدد اتجاه الريح في زمن الحروب المعاصرة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات