الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف صمدت ايران أمام الحرب واستهداف رأسها؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

كيف صمدت ايران أمام الحرب واستهداف رأسها؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

يتردد سؤال ملحّ في دوائر التحليل السياسي: كيف يستمر النظام السياسي في إيران في العمل رغم الحرب، ورغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، بل ورغم استهداف موقع قيادي رفيع مثل المرشد آية الله علي خامنئي؟ لماذا لم نشهد مشهداً درامياً لانهيار سريع كما حدث في تجارب أخرى بالمنطقة؟ الإجابة، في جوهرها، لا تتعلق بصلابة فرد أو كاريزما قائد، بقدر ما ترتبط بالهندسة المعمارية المعقدة للسلطة في الجمهورية الإسلامية؛ هندسة تختلف جذرياً عن النموذج الشخصاني الذي طبع أنظمة شرق أوسطية عديدة في القرن العشرين.

في الأنظمة العمودية الكلاسيكية، كانت السلطة تتجمع في نقطة واحدة، بحيث يصبح القائد هو مركز الجاذبية الوحيد. تكشف مذكرات أسدالله علم صورة دقيقة عن بنية الحكم في عهد محمد رضا بهلوي؛ كان كل شيء ينتهي عند الشاه، داخلياً وخارجياً. لم يكن فقط رأس الهرم، بل كان أيضاً قناة الاتصال العليا مع القوى الكبرى، وصاحب الكلمة النهائية في تفاصيل السياسة اليومية. في مثل هذا النموذج، يصبح إضعاف القمة مساوياً لإضعاف النظام بأسره، لأن الشبكة برمتها مصممة لتخدم مركزاً واحداً.

أما بعد ثورة 1979، فقد نشأت بنية مختلفة. تكشف مذكرات أكبر هاشمي رفسنجاني عن مشهد متعدد الطبقات، تتقاطع فيه شبكات النفوذ وتتداخل. صحيح أن المرشد الأعلى يحتل موقعاً محورياً، لكن عملية الحكم لا تختزل في إرادة فرد. ثمة مؤسسات رسمية وأخرى ثورية، مجالس وهيئات، شبكات دينية وأمنية، تتنافس أحياناً وتتقاطع أحياناً أخرى، لكنها جميعاً تشكل منظومة متشابكة لتوزيع القوة.

يمكن توصيف الجمهورية الإسلامية كنظام متعدد النوى؛ تتوزع فيه مراكز القرار بين الحكومة والبرلمان ومؤسسة القيادة والحرس الثوري الإسلامي والباسيج، إضافة إلى شبكة رجال الدين والمؤسسات شبه الرسمية. هذه المراكز ليست دائماً على قلب رجل واحد، بل تشهد توترات وصراعات داخلية، لكن تعددها يمنح النظام قدرة على امتصاص الصدمات. فإذا تعرض مركز لضغط، لا يتوقف الجهاز بأكمله، بل تعيد المراكز الأخرى توزيع الأدوار مؤقتاً.

الأهم أن الثورة لم تُسقط جهاز الدولة القديم بالكامل، بل احتفظت بأجزاء أساسية من البيروقراطية، وأعادت توظيفها إلى جانب مؤسسات ثورية جديدة. النتيجة كانت مزيجاً فريداً من الدولة الكلاسيكية والدولة الثورية؛ تراكب مؤسسي خلق مع مرور الزمن شبكة معقدة يصعب تفكيكها بضربة واحدة. لم يكن الأمر مجرد استبدال نخب بأخرى، بل إعادة صياغة قاعدة أصحاب المصلحة داخل النظام. دخلت قوى السوق التقليدية، ورجال الدين، والكوادر العسكرية الثورية، وشرائح من المهمشين حضرياً، إلى معادلة السلطة، وتمأسست أدوارهم ضمن أطر تنظيمية واضحة.

هنا يكمن الفارق الجوهري مع أنظمة شخصانية صِرفة، كتلك التي حكمت العراق في عهد صدام حسين، حيث كان تآكل مركز القرار يعني شللاً شبه كامل لبنية الحكم. في الحالة الإيرانية، ورغم مركزية موقع المرشد، فإن البنية الشبكية تمنح النظام ما يسميه علماء السياسة “المرونة المؤسسية”؛ أي القدرة على مواصلة العمل حتى عند تعرض أحد أعمدته الأساسية للاهتزاز.

جزء من سوء الفهم في بعض التحليلات الغربية ينبع من إسقاط نموذج الأنظمة الفردية على الحالة الإيرانية. صحيح أن دائرة النخبة ضيقة، لكن داخل هذه الدائرة نفسها ثمة تنافس حقيقي بين فصائل وشبكات. وقد أظهرت الانتخابات بين 1997 و2017 أن النتائج لم تكن دائماً محسومة سلفاً، وأن التوازنات الداخلية قابلة لإعادة الضبط. هذه الديناميكية، حتى وإن كانت محكومة بسقوف محددة، أسهمت في تجديد شرائح من النخبة وإعادة تدويرها دون المساس بالإطار العام للنظام.

في زمن الحرب، تتعزز عادة النزعة إلى التماسك. التنافس لا يختفي، لكنه يُدار ضمن أولوية الحفاظ على الكيان. وعندما تتعرض البلاد لضربات خارجية من الولايات المتحدة أو إسرائيل، فإن شبكات السلطة المختلفة تميل إلى تقليص خلافاتها المرحلية لصالح هدف أعلى هو منع الانهيار. هذا لا يعني غياب الصراع الداخلي، بل تأجيل بعض فصوله.

استمرارية النظام، إذن، ليست معجزة سياسية، ولا مجرد نتاج قبضة أمنية. إنها حصيلة أربعة عقود من بناء مؤسسات متداخلة، وتوزيع مراكز القوة، وإشراك قوى اجتماعية متعددة في شبكة الحكم. لقد صُمم النظام، بوعي، بطريقة تقلل مخاطر الانهيار الفوري عند استهداف الرأس. إنه نظام موزع المخاطر؛ قد يتعرض لاهتزازات عنيفة، لكنه لا يتداعى بسهولة لأن ثقله لا يستند إلى عمود واحد.

قراءة المشهد بمعايير الأنظمة العمودية الصرفة تقود إلى استنتاجات متعجلة. ما يظهر اليوم هو أن الجمهورية الإسلامية، بحكم تشعبها المؤسسي وتعدد نوى القرار فيها، تملك قدرة على امتصاص الضربات تفوق ما يتصوره خصومها. إنها بنية لا تتهاوى بضربة رأس، لأنها ببساطة لم تُبنَ كرأس واحد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات