سودان تمورو
لم يحدث أبدا أن أيدت هذه الحرب أو استمرارها ولا أن سميتها حرب كرامة بل ظللت بعيدة عن بروباغاندا طرفي الحرب (كرامة/ ديمقراطية) ولم أدافع عن قيادتي طرفيها، وأطلقت عليهما مسمى (برهاميدتي)، وحتى حينما فات لبن الدعم السريع روبه باستعدائه المواطنين رأسا بصورة ممنهجة (وللمغالط أن يطلع مثلا على تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية الذي أظهر نصيب الأسد للدعم في الانتهاكات التي تمس المواطن وكرامته خاصة الاغتصابات، أو تقرير منظمة مسح الأسلحة الصغيرة المعروفة (Small Arms Survey) المنشور حديثاً بعنوان ‘جمهورية الكادمول: صورة لقوات الدعم السريع أثناء الحرب’ والذي بين استناد الدعم لاقتصاد مبني على نهب المواطنين فتحول من قوة قتالية غير نظامية إلى نظام ذي اقتصاد سياسي افتراسي). أقول: حتى حينما رزيء الدعم عالميا وشعبيا بالإدانة الأشد، فإنني لم أمدح يوما قيادة الجيش ولم أنس لها دورها فى تمدد الدعم السريع وتهيئتها لذلك لحماية كرسيها الذي كانت تتهدده قوى الثورة من جهة وقوى الردة من جهة أخرى فلاذت به وهيأت له حراسة المواقع الاستراتيجية والإحاطة بالعاصمة إحاطة السوار بالمعصم، بل وتعديل قانونه ليتحقق له استقلال عن الجيش.
لكن هذه القيادة كلما استثمرت في العداء المتنامي بين الدعم والقطاعات الأعرض في الشعب كل ما نسي لها كثيرون ذلك الماضي (فنحن شعب نسيّّ مسامح)، ومن ثم ساروا خلف نداء البلبسة، ولم أكن يوما مع هؤلاء، ولن أكون.
(٢)
وبعيدا عن النظرة للقيادات، وفيما يتعلق بالمؤسستين فإنني بلا ريب أفرق في النظر بين الجيش وبين الدعم السريع. وظللت اقول بوضوح إن الجيش يعاني عاهات وشرور أكبرها عطب العقيدة، وانقلابيتها، وأنادي باصلاحها واحلالها بعقيدة ديمقراطية. ففيروس الانقلابية معشعش في رئة الجيش حتى قبل نظام الإنقاذ الذي استغل تفشيه حينما دبر انقلابه وأوحى للجميع أنه انقلاب القيادة العامة للجيش (وللمستزيد أن يقرأ كتاب العميد السر احمد السعيد: السيف والطغاة، وكتاب الصحفي الاستقصائي عبد الرحمن الأمين: ساعة الصفر، أو كتاب المرحوم الصحفي حيدر طه: الأخوان والعسكر). يعكس الكتاب الأول تفشي العقيدة الانقلابية بين ضباط الجيش الذي استغلته الجبهة القومية الإسلامية في مؤامرتها على الديمقراطية. وهذه العقيدة المعطوبة دل عليها تعليق المرحوم المشير عبد الرحمن سوار الذهب وكان قد انحاز لانتفاضة رجب ابريل مكرها وسلم السلطة للحكومة المدنية المنتخبة، لكن حينما قام انقلاب ٨٩ ذهب للبشير مهنئا وقال: الحمد لله الأمانة ردت إلى أهلها!! كما دل على تلك العقيدة المعطوبة تصريح البرهان في مواجهته للقوى المدنية بعد انقلابه وابن دقلو في أكتوبر ٢٠٢١ حينما قال: نحن حقيقة أوصياء عليكم!
هذا العطب سار في التوجيه المعنوي والفكر العسكري السوداني، وقد ظلت أدبيات الأحزاب المسؤولة مهتمة بمخاطبته وبضرورة تفنيده واستزراع عقيدة ديمقراطية بديلة تجعل الجيش منضبطا مقلعا عن ممارسة الحكم منقادا للحكم المدني المنتخب.
وبرغم هذا العطب يظل الجيش مؤسسة عريقة تابعة للدولة، وحتى الاعطاب المشار إليها أعلاه والاختلال في تكوينها القومي الذي أشار له كثيرون، لا يجعلها مقارنة بحال بمليشيا قبلية صنعتها قيادة عسكرية شمولية مستبدة مرتابة من الجيش فأضعفته وشردت الأكفاء فيه باستمرار واستعاضت عنه في مواجهة مقاومة مسلحة لها من اثنيات معينة بالاستعانة بزعامات قبلية في قبائل منافسة على أسس عرقية بغيضة، حتى وجدت في ابن دقلو ضالتها فجعلته ومليشياه التي يتحكم فيها بطن بيت في قبيلة (حمايتها)، ودججته بالسلاح وقننته ودبجته بمسمى (قوات الدعم السريع). فالتاريخ والنشأة والتكوين ونظام السيطرة والخلافة والتدريب والعقيدة القتالية، كل شيء مختلف.
(٣)
والحقيقة أن أعطابا مختلفة سارية في كل مؤسسات الدولة النظامية والمدنية، لتعثر مسيرة التطور السياسي والدستوري، والفشل في معالجة التنوع الثقافي والاستقطاب السياسي والمظالم الاجتماعية والاقتصادية والجهوية وفي الوصول لصيغ تعايش وعدالة اجتماعية واقتصادية وسياسية وجهوية، وهي أعطاب ينبغي معالجتها بالتوافق على خطط الإصلاح التي تعالج جذورها، فالمطلوب هو الاصلاح لا حل القديم وتأسيس جديد من العدم، وهذا ينطبق على الجيش والشرطة والاستخبارات والخدمة المدنية والأحزاب والادارة الأهلية الخ.. ويتسق مع أدبيات حزبنا التي راجعت قرار حل جهاز الأمن المايوي وذكرت أن المطلوب كان الإصلاح برغم شرور ذلك الجهاز ومعاناة الشعب الأمرين منه لكن حله خلق فراغا لم يمكن سده بالسرعة ولا الكفاءة المطلوبة وجعل الحكم المدني الديمقراطي بلا حماية (انظر/ي مثلا كتاب الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان: الديمقراطية في السودان راجحة وعائدة). وقد تطرق كثيرون لحل الجيش العراقي بعد الغزو بالنقد، ويعلم الناس الآن كيف كان حله بابا لكسر عظم العراق.
(٤)
وينسحب هذا المنطق حتى على الأحزاب فكثيرون ضاجون من المساويء التي نخرتها يطالبون بحلها وتأسيس أحزاب جديدة، وكل المحاولات التي اتخذها الشموليون أو جربها نخبويون لم تفلح في تقديم قيادة سياسية بديلة للجماهير وكثير من التكوينات المستحدثة عانت من ذات المشاكل بل ربما باكثر من الأحزاب العريقة، وهذا ليس لسد الباب أمام تكوين أحزاب جديدة فعلى أي حال ما ينسحب على الأحزاب، وسمتها التعدد، لا ينسحب على الجيش وسمته ينبغي أن تكون الواحدية. ولكني سقت قولي لأخلص إلى أن مطالب التأسيس الجديد هي مطالب الوصفات المتعجلة والجاهزة وقلة الصبر على الكدح اليومي للتطوير والإصلاح الذي يعالج أمراضا تحيق بتبلدية مصابة بدلا عن قطعها وزرع شتلة حديثة لن تقوى على مواجهة الرياح.
(٥)
وكدح الإصلاح فيما يتعلق بالجيش ينبغي أن يتصل ويستند على مكوناته البريئة من ممارسة الإقصاء والتدجين والبطش بالمواطنين، ويستعين بخبرة الضباط الشرفاء الذين انتقدوا المساويء ودفعوا الثمن تشريدا خاصة أولئك الذين لم تدفعهم عاطفة التشفي (بفكرة عليّ وعلى اعدائي) للانضمام للدعم السريع ودعواته لكسر عظم الجيش، وهم الغالبية، والغريبة أن الدعم السريع استهدف غالبيتهم في الأحياء بالملاحقة والسجن والتعذيب واحيانا القتل.. فالحقيقة أنه ومهما ضلت قيادة الجيش ومهما عطبت آلة الترقية والتقاعد فيه يظل يرفد من الشعب وينتج حامد الجامد ومحمد صديق واخوانهما الذين يمدون ألسنتهم للكابينة المعطوبة..
(٦)
لقد كان قادة كياننا دائما يفرقون بين ما عانوه من بطش قادة العسكر وعاناه كياننا في أحداث مارس ١٩٥٤ والمولد اغسطس ١٩٦١ والجزيرة أبا وودنوباوي مارس ١٩٧٠ ويوليو ١٩٧٦ وحتى مايو ٢٠١٤؛ وبين الجيش كمؤسسة تابعة للدولة وللشعب، حتى أن الحقاني عليه الرضوان، وبرغم ما عاناه وكيانه من نظام الإنقاذ ومن منصة معارضة له بقوة وقف مع القوات المسلحة أيام حرب هجليج ٢٠١١م ووقف معها يوم عملية الذراع الطويل أو غزو أم درمان ٢٠٠٨ التي نفذتها حركة العدل والمساواة وكانت معه في معسكر معارضة النظام، فقال خطابا واضحا مهنئا على ما وصفه بأنه (موقف قواتنا النظامية كلها في التصدي مثلما هو موقف الشعب السوداني في التصدي لهذا العمل الآثم)، وأضاف: (نحن نؤكد أننا نسند وندعم كل محاسبة ومساءلة قانونية عادلة فلا يؤخذ ابدا البرئ بجريرة المجرم) ولم يقل إنه جيش الحركة الإسلامية وأنه اذاقنا واذاق قواعدنا الأمرين منذ تأسيسه مما يتداوله بعضنا الآن.. وكان يقول دائما إننا معارضة مسؤولة تعارض الحكم الديكتاتوري ولكن ليس البلد.
(٧)
صحيح أن موقف الحقاني المذكور لم يمكن الإجماع حوله إلا بوجوده لثقله المعنوي ورصيده الجهادي والفكري غير المختلف حوله بين جماهير الكيان، فخبت مواقف الذين استبدت بهم الغبائن تجاه النظام، وهذا ما لا يمكن تكراره الآن حيث الجميع مختلف على قيادتهم و/ أو على تأهيلهم الفكري وعطائهم الجهادي، وعلى سداد بوصلتهم، فلا كهف الآن إلا اللواذ بالمؤسسية والقرار الجماعي، والموقف السديد حاليا هو القرار المؤسسي الوحيد المجمع حوله بعدم الاصطفاف والدعوة لوقف الحرب مع إدانة الانتهاكات بحجمها.
لكن للاسف فإن القيادة الحزبية الحالية غيبت المؤسسات و/أو استعدت بعض أطرافها ورفضت الانصياع للقرارات المتخذة في آخر اجتماعات جامعة (مارس ٢٠٢٤) واتخذت مواقف منحازة مختلف حولها، فانفتح الباب للجميع لاتخاذ مواقف حسب ما تمليه عليه أفكارهم الخاصة،. فصار منا من يسير في ركاب الجيش ومن يخاطب الناس من منصة الدعم وكلهم لا يمثلون خط الحزب المتفق عليه مؤسسيا قطعا حتى ولو انتموا للحزب وتنظيماته.
