الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعندما تُعمي إيران عيون أميركا!.. بقلم سالم صالح

عندما تُعمي إيران عيون أميركا!.. بقلم سالم صالح

سودان تمورو

في خضم ضباب الحرب الذي لا يزال يلف المنطقة، تأتي الصور الفضائية التي التقطت في الأيام الأخيرة لتكشف عن حقيقة أكثر إيلاماً وإحراجاً للتحالف الغربي مما كانت تبدو عليه المشاهد الأولية للصراع، ولترسم ملامح مرحلة جديدة في فن الردع والاشتباك العسكري. لم يكن الهجوم الإيراني في موجته الأولى، وفق قراءة هذه الصور وتحليل أنماط الإصابة، مجرد وابل عشوائي من النيران يهدف إلى إلحاق أضرار رمزية بالمباني أو إحداث فوهات في مدارج الطائرات. لقد كان، بكل المقاييس، عملية جراحية دقيقة، بل لوحة فنية قاتلة، استهدفت عصب المنظومة الدفاعية الأميركية ذاته؛ أي الرادارات. اختارت إيران أن تُعمي البصر قبل أن تُخرس الصوت، وأن تطعن شبكة الدفاع الأميركية في مقتل: في عيونها التي ترى بها، وفي آذانها التي تسمع بها.

تقوم الهندسة الدفاعية الأميركية في المنطقة على جسد هجين معقد، تتداخل فيه أنظمة وتتكامل، فتجتمع منظومة “ثاد” (THAAD) الأميركية المصممة للاعتراض على ارتفاعات شاهقة، مع منظومة “باتريوت” المكلفة بالدفاع عن الطبقات الدنيا، فضلاً عن شبكة عنكبوتية من رادارات الإنذار المبكر وسفن القتال المزودة بأنظمة “إيجيس”. هذا الجسد، مهما كانت عضلاته مفتولة ومدرعاته ثقيلة، يظل مشلولاً تماماً، أو على الأقل مصاباً بالشلل النصفي، إذا ما أُصيب الجهاز العصبي المركزي الذي يربط هذه الأعضاء ببعضها: رادار AN/TPY-2، ذلك العملاق التكنولوجي الخاص بمنظومة “ثاد”. إن استهداف هذه الرادارات لا يعني فقط تدمير قطعة غالية الثمن، تقدّر قيمتها بنحو نصف مليار دولار للقطعة الواحدة، بل يعني تفكيك بنية التنسيق المعقدة برمتها، وتعطيل العقل الإلكتروني الذي يدير المعركة، وتقليص زمن رد الفعل لدى النظام الدفاعي إلى درجه الصفر تقريباً. في ساحة الحرب الحديثة، يثبت هذا الهجوم مقولة عسكرية قديمة ولكنها ذهبية: قتل “الحساسات” أهم وأجدى من تدمير الصواريخ أو الطائرات ذاتها، لأن من يمتلك عيناً ترى يمتلك زمام المبادرة.

تتحدث الصور الجديدة بلغة واضحة لا تحتمل التأويل، وتكشف عن بصمات إيرانية لا تخطئها عين خبير. في قاعدة “الموفق” الجوية بالأردن، لم تكن الإصابة عشوائية أو ناتجة عن شظايا طائشة. صواريخ دقيقة، يرجح أنها إيرانية الصنع، أحدثت فوهتين كبيرتين محيطين بمكان تمركز رادار “ثاد”، وأسفرتا عن تفحم وتدمير كامل للمقطورات والمعدات التي يحملها. إنه مشهد سينمائي يروي قصة تخطيط دقيق واستخبارات ميدانية محكمة، ونيران موجهة بدقة متناهية نحو “عين” الدفاع الأميركي في الأردن. لم تكتفِ إيران بهذا القدر، بل وسعت طيف العمى ليشمل محاور أخرى في المنطقة. في السعودية، طالت النيران موقعاً رادارياً حيوياً قرب قاعدة الأمير سلطان، حيث التقطت الأقمار الصناعية دخاناً كثيفاً وآثار حريق واضحة في موقع استقرار الرادار. وفي الإمارات، سقطت ضربات مزدوجة متطابقة تقريباً على سقائف تخزين معدات رادار “ثاد” في كل من منطقتي “الرويس” و”السدر”، وكأن المهندس العسكري الإيراني أراد أن يقول إن كل نقطة في هذه الشبكة هي هدف مشروع، وأن يداه تطال حيث تشاء.

إن التأمل المتأني في هذه الخريطة من الضربات المتزامنة يكشف عن عبقرية الهدف التي قد لا يفهمها إلا العسكريون المحترفون. لم تكن الغاية هي تحقيق دمار هائل في البنية التحتية العسكرية التقليدية، ولا قتل أكبر عدد من الجنود، بل كانت الغاية الأسمى هي إحداث “صدمة شبكية” في النظام الدفاعي المتكامل، وخلخلة تماسكه الاستراتيجي. إنه هجوم على الجهاز العصبي للدفاع الصاروخي، وليس على هياكله الجامدة. فحين تسقط الرادارات، تسقط معها القدرة على التنسيق، وتتأخر لحظة الاكتشاف المبكر، ويغدو حتى الصاروخ الاعتراضي الأكثر تطوراً أداة عمياء تبحث في الفراغ، ولا تصيب إلا الهواء. هذه ليست مجرد ضربة عسكرية، بل هي معادلة ردع جديدة مفادها أن الدفاعات مهما بلغت قوتها، تبقى عيونها هي نقطة ضعفها القاتلة.

ربما يكون هذا هو جوهر الرسالة الإيرانية التي فك شفرتها التحليل العسكري الدقيق في الأيام الأخيرة: نحن لا نضربك في جسدك فحسب، بل نضربك في عقلك وبصيرتك. نحن نُعمي عينيك عن رؤية السماء، فكيف ستدافع عن أرضك وتحمي مصالحك؟ إنها استراتيجية ذكية تضع اليد على موطن الداء في المعادلة الدفاعية الأميركية، وتحول الشبكة من كل متماسك ومترابط إلى جزر منعزلة وأبراج متفرقة. إنها تثبت للعالم، وللحلفاء الخليجيين خصوصاً، أن المعركة لن تكون كسابقاتها من الحروب، بل هي حرب على الأعصاب والبصيرة قبل أن تكون حرباً على العضلات والعتاد، وحرباً يكشف فيها العمى الاستراتيجي قبل أن يكشف الدمار. بهذا المعنى، لا تقدم إيران صواريخها ودقتها فحسب، بل تقدم مفهوماً جديداً للردع يضرب في العمق، ويعيد ترتيب أولويات الدفاع والهجوم في الشرق الأوسط الجديد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات