سودان تمورو
في اللحظة التي انشغلت فيها الأسواق العالمية بعطلتها الأسبوعية، كانت شرارة الحرب الثالثة في غرب آسيا تُشعل المنطقة من الخليج إلى البحر الأحمر، فاصلةً بين واقع هادئ نسبياً وأسبوع لن يكون ككل الأسابيع. فبينما كانت بورصات المال مغلقة، كانت صواريخ الحرب ترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيه حاملات النفط مجرد سفن تجارية، بل أهدافاً عائمة، وأصبح مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل قلب الاقتصاد العالمي النابض الذي توقفت نبضاته فجأة.
لا يمر نحو 30% من تجارة النفط والغاز في العالم عبر هذا المضيق الاستراتيجي فحسب، بل إن ما يحدث اليوم على ضفاف الخليج ومياه بحر عمان يحمل في طياته قصة مختلفة عن أي مواجهة سابقة. إنها حرب البنى التحتية، حرب الأنابيب والسفن والمصافي. فمنذ اللحظات الأولى، تجمّدت حركة أكثر من 150 ناقلة نفط وحاملة غاز مسال في مضيق هرمز، وكأن البحر أوقف أمواجه ليشهد على معركة لم تعد تقبل بقواعد الملاحة الدولية. بل إن بعض الناقلات لم تكتفِ بالتوقف، بل تحولت إلى أهداف مباشرة، وسط أنباء عن استهداف ثلاث منها على الأقل.
ولم تكن السفن وحدها في مرمى النيران. ففي مشهد يذكر الأسواق بهشاشة إمدادات الطاقة، تعرضت منشآت حيوية في عمق الخليج لهجمات طالت شركة أرامكو السعودية وأحد الحقول الإماراتية، فيما توقف العمل في مصفاة رأس تنورة العملاقة حتى إشعار آخر. وفي امتداد جغرافي مثير، لم يسلم إقليم كردستان العراق من الاضطراب، حيث تعطل الإنتاج في حقل شيخ، وانقطعت طرق تصدير النفط المتجهة إلى ميناء جيهان التركي. إنها خريطة طاقة محروقة تمتد من الخليج إلى المتوسط.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه على صناع القرار في واشنطن وبروكسل وبكين: كيف سيكون رد فعل الأسواق؟ وهل تعكس الأرقام الحجم الحقيقي للصدمة؟
الواقع أن سعر خام برنت، الذي استقر قرابة 85 دولاراً للبرميل بعد تذبذبات أولية، لا يعكس حتى الآن حجم الكارثة المحتملة. ورغم زيادة الإنتاج من قبل تحالف أوبك بلاس بنحو 206 آلاف برميل، فإن الأسواق تبدو وكأنها تنتظر سيناريو أسوأ. لكن اللافت أن الغاز الطبيعي كان الأكثر انفجاراً، إذ قفز سعر العقود الآجلة في الاتحاد الأوروبي (TTF الهولندي) بأكثر من 50%، ليتجاوز 62 دولاراً، بعد توقف شحنات الغاز القطري الذي يسيطر على 20% من السوق العالمي. وفي انعكاس مباشر، بدأت الهند تقنين توزيع الغاز على مصانعها.
إن توقف الإنتاج القطري، وتجميد شحناته في مياه الخليج، يعني أن أوروبا التي لا تزال تتعافى من صدمة الغاز الروسي، تواجه شتاءً جديداً لكن هذه المرة من الشرق. كما أن الصين والهند، أكبر مستهلكي الطاقة في آسيا، باتتا على أعتاب أزمة إمدادات قد تعيد خلط حسابات النمو الاقتصادي فيهما.
لكن الأهم، وفقاً لتقديرات بنوك استثمار كبرى مثل غولدمان ساكس، هو أن السيناريو الأسوأ لم يحدث بعد. ففي حال الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، فإن النفط قد يتجاوز 100 دولار بسهولة، وربما يقفز إلى 120 دولاراً أو أكثر. غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في الأرقام، بل في الاستمرارية. فإذا تحولت هذه الحرب إلى حالة مستدامة من انعدام الأمن في الخليج، فإن سلاسل التوريد العالمية ستنهار تباعاً، وستتوقف مصافي التكرير، وسترفع شركات التأمين أيديها عن تغطية المخاطر، وستتحول السوق من حالة الذروة السعرية إلى حالة الصدمة المزمنة.
وما يزيد المشهد تعقيداً، هو الإدراك الأميركي المتأخر لطبيعة اللعبة الجديدة. فما تخشاه واشنطن اليوم ليس الصواريخ الإيرانية فحسب، بل ما تسمى “أداة هرمز”، أي القدرة على التحكم في شرايين الطاقة العالمية. ولذلك، فإن كل جهد عسكري ودبلوماسي أميركي في المنطقة، يهدف إلى نزع هذه الورقة من يد طهران، أو تحييد تأثيرها. لكن تجربة السنوات الأخيرة، وما جرى في بقيق وخريص سابقاً، تؤكد أن حماية كل منشأة وكل ناقلة أمر مستحيل.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد موجة جديدة من التوتر في الشرق الأوسط، بل هو ولادة نظام طاقة مختلف، لم تعد تحكمه قواعد العرض والطلب التقليدية، بل معادلات الردع والاستهداف. وفي هذه المعادلة، أصبحت كل برميل نفط يمر من الخليج يحمل معه كلفة سياسية وأمنية إضافية. وإذا استمرت الحرب، أو توسعت دائرة الاستهداف، فقد نجد أنفسنا أمام مشهد لم تألفه الأسواق منذ حظر النفط العربي في السبعينيات، أو حرب الخليج الأولى.
نحن إذن أمام لحظة فاصلة: إما أن تنجح المساعي الدولية في تهدئة الجبهة واحتواء التصعيد، وهو ما يبدو صعباً في ظل سقف الأهداف المرتفع لدى كل الأطراف، أو أن نستعد لمرحلة يسودها شح الإمدادات، وتتحكم فيها المواجهة المباشرة مع البنية التحتية للطاقة، وتصبح فيها أسعار النفط والغاز مجرد مرآة تعكس حجم الدمار لا حجم الطلب.
اليوم، النفط عند 85 دولاراً قد يبدو مقبولاً. لكنه في الحقيقة مجرد محطة انتظار في رحلة نحو المجهول.
