الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تصنع الصواريخ إمبراطورية!.. ابراهيم محمد

حين تصنع الصواريخ إمبراطورية!.. ابراهيم محمد

سودان تمورو

في خضم المعارك الكبرى، لا تتساقط فقط الأجساد والشهداء، بل تتساقط أيضاً الأقنعة والأوهام والنظريات التي ظلت لعقود تنتظم المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط. هناك حروب تنتهي بهزيمة طرف وانتصار آخر، وهناك حروب تنتهي بتوقيع اتفاقيات وترسيم حدود، لكن ثمة حروباً من نوع آخر، نادرة واستثنائية، تنتهي بميلاد قوى عظمى جديدة تعيد تشكيل الخريطة العالمية من جديد. ما نشهده اليوم على جبهات المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني المدعوم أمريكياً، ينتمي بلا شك إلى النوع الثالث.

ربما لم يستوعب كثيرون بعد عمق اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة، فما يجري ليس معركة عسكرية عادية، ولا حتى جولة تصعيد اعتيادية في صراع يمتد لعقود. ما يحدث اليوم هو انزياح تكتوني في صفائح القوة الدولية، هو لحظة انعطاف كبرى سيقف عندها المؤرخون طويلاً، تلك اللحظة الفارقة التي تتحول فيها دولة محاصرة تحت أشد العقوبات إلى قطب فاعل يعيد ترتيب أولويات أقوى جيوش الأرض.

لطالما راهن العدو على سردية محددة، روجها بكل وسائله الإعلامية والسياسية على مدى سنوات. كانت السردية تقول إن إيران، إن بلغت حد المواجهة الفعلية والمباشرة، ستتراجع، وإن تصاعدت وتيرة الضغط عليها، ستركع وتقدم التنازلات، وإن دخلت الولايات المتحدة على خط المعركة، فلن تجد طهران أمامها سوى الانكفاء إلى الخلف. ذهبت الدعاية أبعد من ذلك، فبثت في الأوساط السياسية والإعلامية العربية والدولية أن إيران “مجبورة” على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن، “مجبورة” على دفع ثمن باهظ مقابل أي تحرك، “مجبورة” على القبول بقواعد اللعبة التي يريدها الغرب. كانت الغاية من هذه الحرب النفسية الواضحة ترسيخ صورة ذهنية لإيران منهكة وضعيفة ومنعزلة، في عقول شعوب المنطقة والعالم.

لكن ما حدث بعد العدوان الصهيوني الآثم على القنصلية الإيرانية في دمشق، وتلك الليلة الاستثنائية التي اجتازت فيها الصواريخ الإيرانية كل نظريات الردع الغربية لتضرب في عمق الأراضي المحتلة، كان بمثابة زلزال حقيقي ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستوى السرديات كلها. عندما تحولت سماء تل أبيب وحيفا إلى لوحة مضيئة من نيران الصواريخ الإيرانية، وعندما فشلت أحدث منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية في التصدي لتلك الضربات، أدرك العالم بأسره أنه لم يعد أمامه قوة إقليمية عادية تخضع للحسابات والتوقعات القديمة. تحطمت الصورة الباهتة التي ظل الإعلام الغربي-الصهيوني يرسمها طوال عقود، لتظهر الصورة الحقيقية لدولة تمتلك إرادة الفعل وقدرة الردع.

ايران اليوم، وبكل وضوح، تخوض مواجهة شاملة ضد جبهة متكاملة الأركان. هي مواجهة مع كيان صهيوني مسلح بأحدث ترسانة أمريكية، ومع أمريكا نفسها التي تقف خلفه وتدير معاركه وتحرك قواعده في المنطقة، ومع شبكة واسعة ومعقدة من حلفائهما الإقليميين. تلك أمريكا التي طالما هددت العالم بحاملات طائراتها التي تملأ البحار، نراها اليوم وقد أصبحت حاملات أسطولها تحت التهديد المباشر، وقواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة تتعرض للضرب والتدمير، بل إن بعض أحدث طائراتها الحربية والسفن الحربية التابعة لها قد سقطت في سماء المعركة ومياه الخليج. هذا المشهد المركب لا يحتمل تأويلاً آخر: معادلة القوة في المنطقة قد تغيرت بشكل جذري، ولم تعد علاقات القوى كما كانت قبل هذه المواجهة.

عندما تستطيع دولة أن تصمد في وجه آلة حربية ضخمة بحجم الكيان الصهيوني، وأن تواجه أمريكا بكل جبروتها العسكري، وأن تتعامل في الوقت نفسه مع شبكة معقدة من الدول الداعمة لهما، ليس فقط بالصمود والدفاع عن النفس، بل بتوجيه ضربات مؤثرة ومزلزلة ومعادلة للحسابات، فإن هذا المستوى من الأداء لم يعد مجرد “مقاومة” بالمعنى الكلاسيكي التقليدي الذي عرفناه على مدى العقود الماضية. هذا هو البرهان القاطع على بزوغ فجر قوة عظمى جديدة على مسرح الأحداث، قوة تعيد تعريف قواعد اللعبة، وتفرض معادلاتها الخاصة، وتكتب بدماء أبنائها فصلًا جديدًا من فصول العلاقات الدولية.

لهذا السبب تحديداً، حين نقول إن إيران ستخرج من هذه الحرب كقوة عظمى، فإننا لا نرفع شعاراً عاطفياً، ولا نردد هتافاً خطابياً تقليدياً. إنها نتيجة منطقية وحتمية لمسار تاريخي يتشكل الآن على الأرض، وليس مجرد أمنية أو توقع. القوة التي تستطيع فرض إرادتها في ساحة بهذا التعقيد، وتعيد ترتيب أولويات الخصم، وتسقط هيبة أقوى جيوش العالم، وتجبر الكيان الصهيوني على إعادة حساباته الاستراتيجية، لم تعد مجرد “لاعب إقليمي” يمكن للقوى الكبرى أن تتحكم به أو تهمشه.

العالم اليوم، بمزيج من الدهشة والترقب، يراقب هذا المشهد الاستثنائي. بلد ظل لعقود تحت أقسى الحصار وأعنف العقوبات وأشرس الحملات الإعلامية، يقف اليوم شامخاً، وصواريخه تتألق في سماء المنطقة، تعيد تشكيل معادلات القوة وترسم حدود النفوذ. إنها اللحظة التي سيكتب عنها التاريخ طويلاً، اللحظة التي سيتوقف عندها الدارسون والباحثون: اللحظة التي خرجت فيها إيران من قلب معركة كبرى، ليس كدولة منهكة تبحث عن مساعدات دولية، بل كقوة عظمى صاعدة، تعيد تعريف اللعبة الدولية برمتها، وتصنع من رحم المعاناة والعقوبات إمبراطورية جديدة لا تغرب شمسها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات