الجمعة, مايو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تستثمر أبوظبي في اليمين المتطرف لإعادة هندسة الرأي العام الأوروبي؟ بقلم...

كيف تستثمر أبوظبي في اليمين المتطرف لإعادة هندسة الرأي العام الأوروبي؟ بقلم أحمد حسن

سودان تمورو

لم تعد المعارك الجيوسياسية تُحسم حصراً في أروقة الدبلوماسية التقليدية أو عبر النخب السياسية الرسمية، بل انتقلت رحاها إلى ساحات الفضاء الرقمي وحروب السرديات الموجهة. وفي هذا السياق، تبرز استراتيجية إماراتية مستحدثة بدأت ملامحها تتشكل بوضوح منذ النصف الثاني من عام 2024، تعتمد على نسج شبكة نفوذ إعلامي وسياسي معقدة داخل القارة الأوروبية، ليس عبر البوابات الحكومية المعتادة، بل من خلال الاستثمار المباشر في منصات اليمين المتطرف وشخصياته الجدلية. يعكس هذا التحول إدراكاً متنامياً لدى صناع القرار في أبوظبي بأن مفاتيح التأثير في الرأي العام الغربي باتت بيد الحركات الشعبوية الصاعدة، مستغلة في ذلك تقاطعاً استراتيجياً في المصالح يتمحور حول استهداف الإسلام السياسي، والتشدد تجاه ملفات الهجرة، وتأجيج العداء لإيران، فضلاً عن تقديم الدعم المطلق لإسرائيل.

في قلب هذه الاستراتيجية الناعمة، يبرز موقع “فيشغراد 24” (Visegrad24) البولندي كأداة اختراق رقمية ذات قيمة عملياتية فائقة. فهذه المنصة، التي تحظى بمتابعة أكثر من مليون ونصف المليون حساب على منصة “إكس” وترتبط بصلات غير مباشرة مع حزب “القانون والعدالة” اليميني البولندي، لم تكن بعيدة عن رادار الرصد الإماراتي؛ إذ تكشف الوثائق المسربة لتقييمات الاتصال الاستراتيجي التابعة لوزارة الخارجية الإماراتية عن تصنيف هذه المنصة كـ “أداة تأثير محتملة” يمكن توظيفها لتمرير الرواية الإماراتية إلى العمق الأوروبي دون تحمل الكلفة السياسية المباشرة.

ولضمان فاعلية هذا الاختراق مع الاحتفاظ بمسافة آمنة تدرأ عن الدولة صفة التدخل المباشر، أوصت الخارجية الإماراتية بإدارة هذه الشبكات عبر وسطاء غير حكوميين، في تطبيق حرفي لمفهوم “القوة الرمادية”. استندت هذه المقاربة إلى تجنيد شخصيات إماراتية وازنة تلعب أدواراً استشارية وإعلامية وفكرية بعيداً عن المناصب الرسمية الحساسة، لتكون بمثابة جسور لنقل السردية المرغوبة. وتضم قائمة الأسماء المقترحة لتأدية هذا الدور الاستراتيجي كلاً من سليمان الهتلان، وياسر حارب، والمحامي الدولي حبيب الملا، وراشد الفلاحي، ودبي أبو الهول، وسلطان القاسمي. وتتلخص مهمة هذه النخبة في إنتاج محتوى مدروس والمشاركة في حوارات المنصات الجدلية المرتبطة بـ “فيشغراد 24″، مما يضمن ضخ الخطاب الإماراتي في عروق النقاش العام الأوروبي بصبغة “مستقلة” ومجردة من الختم الحكومي.

على الصعيد العملياتي والتحريري، بدأت ثمار هذا التوجه تطفو على السطح بشكل جلي منذ ديسمبر 2025، حيث طرأ تحول جذري على الخطاب الإعلامي لمنصة “فيشغراد 24”. تجلى ذلك في استدعاء المنصة لتصريحات قديمة لوزير الخارجية الإماراتي تهاجم جماعة الإخوان المسلمين، وإعادة تدويرها وتسويقها للجمهور الغربي بوصفها “تحذيرات استشرافية” من خطر داهم يهدد أوروبا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تبنت المنصة بشكل سافر الموقف الإماراتي في حرب اليمن، وروّجت لمساعي الاعتراف بـ “أرض الصومال”، وانخرطت في تبني خطاب تصعيدي حاد ضد طهران، في تناغم مطلق مع الأولويات الأمنية والجيوسياسية لأبوظبي.

ولا يقف هذا الاستثمار عند حدود هندسة الفضاء الرقمي، بل يمتد ليتشابك مع حراك سياسي محموم لرموز اليمين المتطرف الأوروبي الذين وجدوا في أبوظبي حليفاً وداعماً محتملاً. ففي بريطانيا، سارع نايجل فاراج، زعيم حزب “إصلاح بريطانيا” وصوت اليمين الشعبوي الأبرز، إلى تعزيز حضوره في الإمارات، مستغلاً دعوته لحضور سباق “الفورمولا 1” في أبوظبي في ديسمبر 2025، لفتح قنوات اتصال سعياً للقاء القيادة العليا. وفي ذات السياق، برزت تحركات الوزير المحافظ السابق ناظم زهاوي في يناير 2026 نحو الانضمام لحزب “الإصلاح”، مستنداً في ذلك إلى دعم غير مباشر مستمد من شبكة العلاقات الوثيقة التي نسجها خلال زياراته المكوكية للإمارات.

المشهد ذاته يتكرر في فرنسا بنسخة أكثر تطوراً، حيث تحول جوردان بارديلا، زعيم حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، إلى أحد أبرز المسوقين والمستهلكين لمحتوى “فيشغراد 24”. وقد تُرجم هذا التقارب الأيديولوجي والإعلامي إلى تحرك سياسي رفيع المستوى تمثل في زيارة بارديلا برفقة السياسي تييري مارياني إلى أبوظبي في يونيو 2024، حيث عقدا لقاءات مفصلية مع شخصيات أمنية وسياسية إماراتية وازنة كخالد بن محمد بن زايد وطحنون بن زايد. انصبت هذه المباحثات في جوهرها على الملفات الأمنية المشتركة، وسبل تطويق الإسلام السياسي، والآليات المشتركة لإعادة صياغة وتوجيه الرأي العام الأوروبي.

إن هذه التحركات المتضافرة ترسم صورة واضحة لنموذج عملياتي مبتكر يخوض “حرب سرديات” بالوكالة. تعتمد أبوظبي في هذا النموذج على تحويل المنصات الأيديولوجية الغربية والشخصيات السياسية الشعبوية إلى مكبرات صوت تردد صداها، محتفظة في الوقت ذاته بمسافة الإنكار المعقول. وفي ظل التصدعات السياسية المتزايدة وحالة الاستقطاب الحاد التي تعصف بالقارة العجوز مع تنامي المد الشعبوي، يبدو أن هذا النموذج مرشح للتوسع والتعمق في المراحل المقبلة.

في المحصلة، يمثل هذا التوجه انسلاخاً إماراتياً متعمداً عن أدوات الدبلوماسية التقليدية العتيقة، لصالح الغوص في مستنقع التأثير غير المباشر عبر الكيانات الأيديولوجية المتطرفة. وإذا كان استهداف الجماهير والقواعد الشعبية بدلاً من النخب السياسية المعتدلة قد يمنح أبوظبي أوراق ضغط تكتيكية سريعة ومكاسب ظرفية في القارة الأوروبية، فإن الارتهان لتيارات اليمين المتطرف، التي يُنظر إليها كمهدد للقيم الديمقراطية الغربية، يظل مغامرة محفوفة بالمخاطر، وقد يحمل في طياته كلفة استراتيجية باهظة قد تنال من الصورة الذهنية للدولة ومصداقيتها المؤسسية على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات