الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا تفشل المسيّرات والذكاء الاصطناعي في صناعة النصر بلا عقيدة عسكرية؟.. بقلم...

لماذا تفشل المسيّرات والذكاء الاصطناعي في صناعة النصر بلا عقيدة عسكرية؟.. بقلم سامي صالح

سودان تمورو
لطالما وقعت الجيوش عبر التاريخ في فخ الإغراء الخادع الذي تعد به التكنولوجيا الحديثة، حيث يُخيل للقادة والمخططين الاستراتيجيين أن ابتكاراً تقنياً جديداً يمتلك القدرة السحرية على محو قواعد القتال القديمة وإعادة كتابة تاريخ الحروب. واليوم، ونحن نقف على أعتاب عصر تتسيده الأنظمة المستقلة، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة، يعود هذا الوهم ليطل برأسه من جديد. غير أن القراءة التحليلية المتأنية لمسارح العمليات المعاصرة تكشف حقيقة بالغة الأهمية: إن الحروب الحديثة تتطلب ما هو أعمق بكثير من مجرد حيازة أحدث التقنيات؛ إنها تتطلب ثورة موازية في العقول، والعقائد، والثقافة العسكرية التي تدير هذه الأدوات.
وإذا أمعنا النظر في الحرب الروسية الأوكرانية، التي تُعد المختبر الأبرز لحروب الجيل الحالي، سنجد أنفسنا أمام مشهد بالغ التناقض يجمع بين خنادق الحرب العالمية الأولى وتقنيات الحرب العالمية الثالثة. فالسماء تعج بالمسيرات الانتحارية والروبوتات والأنظمة الموجهة بالخوارزميات، في حين أن الأرض تشهد حرب استنزاف قاسية، وجموداً عملياتياً، وتقدماً بطيئاً يُقاس بالأمتار تحت نيران المدفعية الثقيلة. هذا التناقض الصارخ يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التكنولوجيا المتقدمة، مهما بلغت درجة تعقيدها، لم تفلح حتى اللحظة في صياغة طريقة جديدة كلياً لخوض الحروب، بل انحصر دورها في الغالب كبديل ترقيعي لقدرات قتالية مفقودة.
لقد تحولت الطائرات المسيرة في أوكرانيا إلى أيقونة للحرب، لكن الاعتماد المفرط عليها هناك لا ينبغي أن يُتخذ كنموذج استراتيجي يُحتذى به من قبل حلف الناتو أو الجيوش النظامية الكبرى. فالنهج الأوكراني المتمركز حول المسيرات لم يكسر شوكة العدو ولم يُحدث اختراقاً استراتيجياً، بل أسس لحالة من الشلل الميداني. والسبب جوهري؛ فالمسيرات، على الرغم من دقتها وقدرتها على الرصد والاستهداف، تفتقر إلى الخصائص الأساسية لحسم المعارك الكبرى. إنها لا تستطيع احتلال الأرض والتشبث بها، ولا تملك ثقل المدرعات الكفيل بإحداث الصدمة العملياتية، ولا يمكنها تقديم رد فعل تكتيكي حاسم وسريع يوازي ما تقدمه دبابات القتال الرئيسية ومركبات المشاة القتالية.
إن التغيير الجذري والمستدام في بنية الجيوش لا يُصنع بمجرد إدخال أداة جديدة إلى ساحة المعركة، بل يتحقق عندما تُقاد هذه التكنولوجيا بواسطة عقيدة قتالية متطورة ومفاهيم عملياتية مبتكرة. فالأدوات وحدها لا تصنع النصر، بل إن آليات دمج هذه التكنولوجيا ضمن منظومة شاملة تشمل التدريب، والتسليح، واللوجستيات، والتنظيم الميداني، هي ما يخلق الفارق الحقيقي. وهذا النهج المنهجي الصارم، الذي تعبر عنه المدارس العسكرية الكبرى بمصطلحات معقدة تشمل تطوير الهياكل والكوادر، هو المسار الوحيد لتحويل الأسراب المستقلة من الطائرات المسيرة من مجرد فكرة نظرية مبهرة إلى قوة ضاربة في عمق العدو تخضع للاختبار والتقييم والتصحيح المستمر.
ومن هنا تتجلى القاعدة الذهبية للحروب المعاصرة: التكامل هو المصدر الحقيقي والأوحد للتفوق. إن الإمكانيات الكامنة في الذكاء الاصطناعي والذخائر المبرمجة لن تبلغ ذروة تأثيرها إلا إذا التحمت عضويًا مع الآلة العسكرية التقليدية. يجب أن تعمل المسيرات جنباً إلى جنب مع الدبابات، والمدفعية، والقوة الجوية، ضمن شبكات قيادة وسيطرة محكمة لا تترك ثغرة للتفكك العملياتي. علاوة على ذلك، لا يمكن استنساخ التكتيكات ببرود وتطبيقها في مسارح جغرافية متباينة؛ فما يصلح في السهول الأوكرانية لتعويض نقص المدفعية، لن يكون بالضرورة ناجعاً في مواجهة استراتيجيات الرفض ومنع الوصول (A2/AD) التي تبنيها قوى كبرى مثل الصين، حتى وإن تقاطعت بعض ملامحه مع سيناريوهات المواجهة المحتملة في تايوان أو شبه الجزيرة الكورية.
في نهاية المطاف، يبقى العنصر البشري والثقافة المؤسسية في قلب أي تحول عسكري حقيقي. إن الاستثمار المالي الضخم في الأنظمة المستقلة والبرمجيات الذكية سيكون محض هدر للموارد ما لم يقترن بجرأة في التطبيق، ومرونة في التجربة، واستعداد للاعتراف بالقصور عند اصطدام النظريات العسكرية بتحديات الزمان والمكان وكثافة النيران في ساحة المعركة الحقيقية. إن الجيوش التي ستنتصر في حروب الغد ليست تلك التي تمتلك التكنولوجيا الأحدث فحسب، بل تلك التي تمتلك الثقافة العسكرية الأقدر على فهم هذه التكنولوجيا، واستيعابها، وتطويعها ضمن عقيدة راسخة تدرك أن التكنولوجيا أداة للحرب، وليست بديلاً عنها.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات