الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تحولت حروب التدخل الإماراتي إلى جدار حماية للاستراتيجية الإسرائيلية؟.. بقلم نزار...

كيف تحولت حروب التدخل الإماراتي إلى جدار حماية للاستراتيجية الإسرائيلية؟.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو
لم تعد مشاهد التشظي والحروب الطاحنة التي تنهش جسد العديد من الدول العربية مجرد إفرازات طبيعية لتناقضات سياسية محلية، أو صراعات عفوية على السلطة والثروة. إن القراءة المتأنية لخارطة الأزمات الممتدة في جسد المنطقة تكشف عن ظاهرة جيوسياسية متكررة وممنهجة؛ ظاهرة تحمل بصمات تدخل خارجي منظم لا يهدف إلى الحسم أو إرساء الاستقرار، بل يسعى حثيثاً إلى إعادة هندسة الإقليم على أسس ومناطق نفوذ جديدة. وفي عين هذه العاصفة، يبرز الدور الإماراتي كقاسم مشترك ومحرك رئيس في بؤر التوتر، متجلياً في سياسة دؤوبة لتعميق التصدعات، وتمكين المليشيات الانفصالية، وتقويض أركان الدول المركزية وتفكيك جيوشها الوطنية.
من الساحة الليبية إلى المأساة اليمنية، ومن سهول السودان إلى سواحل الصومال، يتبلور أمامنا نمط استراتيجي واحد ومطرد؛ سياسة تهدف في صميمها إلى إفراغ مفهوم “الدولة الوطنية” من أي محتوى سيادي حقيقي، وتحويل النزاعات الأهلية إلى آليات مستدامة للتحكم الجيوسياسي. ولا يمكن قراءة هذه السياسة بمعزل عن نظام إقليمي أوسع يُراد فرضه على المنطقة، نظام تتقاطع فيه الطموحات الإماراتية بشكل عضوي ولافت مع الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية. فتل أبيب لطالما نظرت إلى تفتيت الدول العربية ذات الثقل الديموغرافي والجغرافي كضرورة لبقائها، ساعية إلى تحويل محيطها إلى “فسيفساء” من الكانتونات الضعيفة والمتناحرة. هذه الكيانات الممزقة التي تستنزفها حروبها الداخلية ستعجز حتماً عن مواجهة أي تهديدات أمريكية أو إسرائيلية، وتفقد بشكل مطلق أي قدرة على توفير ظهير استراتيجي يساند القضية الفلسطينية.
وإذا ما يممْنا شطر الشمال الأفريقي، نجد أن الساحة الليبية تمثل نموذجاً صارخاً لهذه المقاربة التدميرية. فمنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، تكافح ليبيا للملمة شتاتها وإعادة بناء مؤسساتها من تحت ركام الحرب والتدخلات الأجنبية. وفي خضم هذا المخاض، برزت أبوظبي كأحد أكثر الفاعلين الخارجيين تقويضاً لفرص السلام، عبر تقديمها دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً غير محدود للجنرال خليفة حفتر. لم يكن هذا الدعم موجهاً لمحاربة “الإسلام السياسي” أو المليشيات كما زُعم، بل تحول إلى تدخل عسكري سافر شمل تزويداً بالأسلحة في انتهاك صارخ لقرارات حظر التسليح الأممية، وتسيير ضربات بالطائرات المسيرة، وتجنيداً للمرتزقة، وتوفيراً لغطاء دبلوماسي أمّن محاولات حفتر المتكررة لاغتصاب السلطة بقوة السلاح، والتي بلغت ذروتها في الهجوم الدموي على طرابلس بين عامي 2019 و2020.
هذه المغامرة العسكرية الإماراتية في ليبيا نسفت مسارات الحوار السياسي المدعومة أممياً، وأدخلت البلاد في أتون حقبة هي الأكثر دموية منذ عام 2011. وبدلاً من أن تسهم في توحيد البلاد، رسخت حملة حفتر الانقسام الحاد بين الشرق والغرب، ومزقت نسيج الثقة المجتمعية الهش اللازم لأي مصالحة وطنية. ولم تتوقف الشظايا عند الحدود الليبية؛ فالانقسام العميق أضعف دول شمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وخلق فراغات أمنية مرعبة، وهدد مسارات الطاقة العالمية، وفاقم أزمات الهجرة غير النظامية. هنا، تنجلي نقطة التلاقي المثالية مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي ترى في تفتيت الدول العربية الغنية بالموارد والمواقع الاستراتيجية مصلحة عليا؛ فليبيا الممزقة تعني إضعافاً لجبهة محتملة قادرة على دعم حركات المقاومة، وتحويل الانتباه الإقليمي كلياً عن مأساة الشعب الفلسطيني.
ولا تنفصل هذه المنهجية عن المسرح اليمني الدامي، حيث بات جلياً أن الكارثة الإنسانية هناك لم تعد مجرد صراع محلي، بل هي ارتداد لتنافس إقليمي محموم على النفوذ، تلعب فيه الإمارات دوراً محورياً إلى جانب السعودية. غير أن الدور الإماراتي سرعان ما اتخذ مساراً أكثر خطورة، عبر الدعم المنهجي والمستمر لشخصيات وكيانات تتبنى مشاريع تشطيرية، وعلى رأسها “المجلس الانتقالي الجنوبي” بقيادة عيدروس الزبيدي، إلى جانب التشكيلات العسكرية التي يقودها طارق صالح.
إن الرعاية الإماراتية لهذه القوى الانفصالية، خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية، وجهت ضربة قاصمة لوحدة التراب اليمني، وجعلت من أي تسوية سياسية شاملة سراباً بعيد المنال، محكومة على اليمن بالبقاء في حالة من الاستنزاف واللاحرب واللاسلم. هذه الاستراتيجية لا تخدم فحسب المساعي الإماراتية للهيمنة على جنوب اليمن وموانئه الحيوية وجزره الاستراتيجية المتحكمة في طرق الملاحة الدولية، بل تتناغم بامتياز مع الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى التي تنظر بارتياح بالغ إلى تمزيق اليمن، وتحييد دوره التاريخي والجغرافي كقوة عربية وازنة على تخوم البحر الأحمر. في المحصلة، تبرز الفوضى كخيار جيوسياسي ممنهج يُراد له أن يسود، لتتحول الحروب بالوكالة وصناعة الانفصال إلى أدوات ناجعة في يد قوى إقليمية تستنزف المقدرات العربية، وتعبد الطريق أمام هيمنة إسرائيلية على منطقة تُدفع دفعاً نحو انتحارها الجيوسياسي.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات