الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي التعتيم العسكري في إسرائيل درع لستر حقائق المواجهة مع طهران؟.. بقلم أمامة...

 التعتيم العسكري في إسرائيل درع لستر حقائق المواجهة مع طهران؟.. بقلم أمامة الطيب

سودان تمورو
في ساحات الحروب الحديثة، لا تقتصر المعارك على دوي الانفجارات وتقاطع النيران في السماء، بل تمتد لتشمل حرباً لا تقل ضراوة تدور رحاها في أروقة الإعلام وفي الوعي. وفي خضم المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، برزت إلى السطح سياسة إسرائيلية ممنهجة وحادة تعتمد على الصمت المطبق، والرقابة الصارمة، والتعتيم المتعمد على حجم الخسائر ومعدلات اعتراض الصواريخ. إن إخفاء مشاهد الدمار، وحجب الأرقام الحقيقية لخسائر الجبهة الداخلية، لا يمثلان مجرد تكتيك أمني عابر، بل يعكسان استراتيجية بقاء، الغاية منها الحيلولة دون انهيار الصورة الذهنية التي رسمتها الآلة الإعلامية الإسرائيلية لسنوات، والتي طالما روجت لأسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” والسماء المحصنة التي لا تُخترق.
ولم تكن سياسة تكميم الأفواه وحجب الحقائق طارئة على بنية المؤسسة الإسرائيلية، بل هي عقيدة متأصلة تمتد جذورها إلى ما قبل تأسيس الكيان ذاته. ففي عام 1945، وتحت مظلة الانتداب البريطاني، سُنّت “أنظمة الطوارئ” التي منحت السلطات صلاحيات واسعة لخنق أي صوت إعلامي يتناول الشأن الأمني. وما إن أُعلن عن تأسيس إسرائيل، حتى ورثت هذه الترسانة القانونية الاستبدادية وطورتها، لتؤسس جهازاً عاتياً يُعرف بـ “الرقابة العسكرية”، يقبع تحت سلطة وزارة الدفاع. وبموجب هذا النظام، بات سيف الرقيب مصلتاً على رقاب الصحفيين، وتُفرض على كل وسيلة إعلامية مراجعة مسبقة لأي محتوى يمس الأمن القومي، مع التلويح بعقوبات قاسية تصل إلى حد الإغلاق والمحاكمة، وهو نهج امتد مؤخراً ليطال حتى تغريدات ومنشورات المواطنين العاديين على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع انقشاع غبار السابع من أكتوبر وعملية “طوفان الأقصى”، دخلت آلة الرقابة الإسرائيلية في حالة من الهستيريا غير المسبوقة. فبات نشر أي نبأ عن عمليات المقاومة أو خسائر الجيش دون ختم الرقيب العسكري جريمة لا تُغتفر. وتكلل هذا المسار القمعي في عام 2024 بتمرير قانون في الكنيست استهدف خنق التغطية الحرة وتكبيل الصحافة الأجنبية، وعلى رأسها شبكة الجزيرة، لمنع نقل الصورة الحية من الأراضي المحتلة وغزة. ولم تسلم الصحافة الإسرائيلية ذاتها من هذا البطش؛ فحين تجرأت صحيفة “هاآرتس” على فضح التناقض الصارخ بين الأرقام الهزيلة التي أعلنها الجيش لعدد جرحاه (1593 جريحاً) وبين السجلات الرسمية لوزارة الصحة والمستشفيات التي وثقت ما يربو على 10,548 جريحاً في الربع الأول من الحرب، كان العقاب حاضراً وسريعاً عبر فرض مقاطعة حكومية خانقة على الصحيفة لتجرئها على خدش الرواية الرسمية.
بيد أن التحول الأكثر دراماتيكية في سلوك الرقيب العسكري تجلى بوضوح في التعاطي مع الصواريخ الإيرانية. ففي الحروب السابقة، وتحديداً في حرب الأيام الاثني عشر، كانت المؤسسة الإسرائيلية تتباهى ليل نهار بنسب اعتراض الصواريخ، وتحول مشاهد تصدي “القبة الحديدية” إلى مادة دعائية دسمة لرفع المعنويات. أما اليوم، وفي مواجهة الهجوم الإيراني، ابتلع الجيش الإسرائيلي لسانه تماماً؛ فلا إفصاح عن أعداد الصواريخ والمسيرات المهاجمة، ولا بيانات عن نوعيتها، ولا تحديث لنسب الاعتراض المزعومة، بل وفرض حظر تجوال إعلامي شامل يمنع الصحفيين الأجانب والمحليين من الاقتراب من مواقع السقوط إلا بتصاريح خطية نادرة الوجود.
هذا الصمت المطبق لا ينبع من فراغ، بل تكشف قراءته التحليلية عن مأزق ثلاثي الأبعاد يعتصر القيادة الإسرائيلية. يتمثل البعد الأول في الهاجس العملياتي البحت؛ فالإفصاح عن مواقع سقوط الصواريخ بدقة، ونشر نسب الاعتراض الحقيقية، يُعد بمثابة تقديم استخبارات مجانية ثمينة لطهران. هذه المعلومات ستمكن الإيرانيين من تقييم كفاءة رؤوسهم الحربية، واكتشاف الثغرات العمياء في شبكات الرادار الإسرائيلية، مما يعني تحسين دقة وفتك أي ضربات مستقبلية. وبالتالي، يصبح التعتيم الدرع الأخير لستر الانكشاف الاستراتيجي لمنظومات الدفاع الجوي.
أما البعد الثاني، فيتعلق بأزمة لوجستية خانقة تُهمس بها في الغرف المغلقة وتُكتم في العلن. فبعد موجات الهجوم الكثيفة والمتزامنة من إيران وحزب الله، والتي طالت بعضها رادارات الإنذار المبكر الحساسة، تواجه إسرائيل اليوم استنزافاً مرعباً في مخزون صواريخها الاعتراضية باهظة الثمن. إن الاعتراف علناً بتراجع معدلات الاعتراض لن يكون سوى إقرار ضمني بتآكل هذا المخزون الاستراتيجي، وهو ما يفسر إحجام قادة إسرائيل عن تحديث البيانات، خوفاً من منح المحور المناوئ فرصة ذهبية لقراءة مدى هشاشة الجدار الدفاعي الإسرائيلي.
ويبقى البعد الثالث والأكثر خطورة هو كابوس الجبهة الداخلية. فالقيادة الإسرائيلية تدرك تماماً أن المجتمع الإسرائيلي يعيش على “أجهزة تنفس” السردية التي تروج لانتصار مطلق وتفوق كاسح. إن مجرد السماح بتسريب صور الحفر العميقة التي أحدثتها الصواريخ في القواعد الاستراتيجية، أو الكشف عن أعداد القتلى والمصابين الحقيقية جراء انهيار نسب الاعتراض، سيكفل بتحطيم هذه السردية بالكامل. هذا الانكشاف كفيل بزرع بذور الرعب المطلق، وضرب مستويات الصمود والتابعية الاجتماعية في مقتل، وتحويل حالة التململ الداخلي إلى زلزال سياسي واجتماعي لا تُحمد عقباه.
في نهاية المطاف، لم تعد سياسة التعتيم الإسرائيلية مجرد أداة لحفظ الأسرار العسكرية، بل استحالت إلى أداة يائسة لإدارة الإدراك العام، ومحاولة بائسة لستر تشققات عميقة في بنية الردع. إن غياب الصور وتغييب الأرقام لا يمحو حقيقة أن موازين القوى في المنطقة تشهد تحولات جذرية، وأن الصواريخ التي لا يُسمح بتصويرها وهي تسقط، تترك في الوعي الداخلي الإسرائيلي دويّاً أعمق وأكثر تدميراً من دويها على الأرض.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات