الجمعة, مايو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبين رغبة ترامب في التركيع ومقامرة نتنياهو بالتحطيم في إيران!.. بقلم صهيب...

بين رغبة ترامب في التركيع ومقامرة نتنياهو بالتحطيم في إيران!.. بقلم صهيب الكعبي

سودان تمورو

يبدو في ظاهر الأمر، وتحت سحب الدخان المتصاعدة من جراء الغارات المستمرة، أن واشنطن وتل أبيب تقفان صفاً واحداً في حربهما المفتوحة ضد إيران، إلا أن قراءة متأنية لما بين السطور تكشف عن هوة سحيقة تفصل بين الغايات النهائية للزعيمين. ففي حين يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توظيف الآلة العسكرية لكسر إرادة طهران ودفعها نحو الاستسلام لشروط واشنطن، يذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامین نتنياهو إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، طامحاً إلى اجتثاث الجمهورية الإسلامية من جذورها وتصفية نفوذها الإقليمي بالكامل. بعبارة أدق، إنها مفارقة استراتيجية صارخة؛ حيث يريد ترامب تطويع طهران، بينما يستميت نتنياهو من أجل تدميرها.

في الوقت الراهن، تعيش هذه الشراكة العسكرية ما يمكن تسميته بـ “شهر العسل التكتيكي”، حيث تتقاطع مصالح الطرفين بشكل مؤقت ومرحلي. ومع دخول الحملة الجوية أسبوعها الثاني، تواصل الآلة العسكرية الأميركية والإسرائيلية دك أهداف استراتيجية بعينها، متمثلة في شل القدرات الصاروخية، وضرب البنية التحتية للبرنامج النووي، وتحييد القوة البحرية ومنشآت تصنيع الأسلحة، وصولاً إلى تفكيك منظومات القيادة والسيطرة العسكرية. هذا التوافق الميداني القصير الأمد يوفر غطاءً ملائماً يخفي وراءه تباينات عميقة ستطفو على السطح عاجلاً أم آجلاً.

إذا كانت الولايات المتحدة جادة في رغبتها بتجنب الانزلاق نحو مستنقع حرب استنزاف طويلة الأمد، فإن عليها أن تحسم عاجلاً هذا التناقض الجوهري مع رؤية إسرائيل لماهية “الانتصار” في المدى البعيد. إن الاستمرار في توجيه الضربات المتتالية لمستويات القيادة والبنية التحتية المدنية والعسكرية، هو أقصر الطرق للتورط في عملية “بناء دولة” طويلة الأمد، وهي ذات السياسة التي طالما سخر منها ترامب وانتقدها بشدة لسنوات. ولعل القلق البالغ الذي انتاب مسؤولي البيت الأبيض إزاء مشاهد النيران المشتعلة في المنشآت النفطية بطهران لم يكن نابعاً من خشية تقلبات أسواق الطاقة العالمية فحسب، بل لأن تلك المشاهد المروعة استحضرت فوراً أشباح الفوضى العارمة والانهيار المؤسسي الذي أعقب التدخلات في العراق وأفغانستان.

وفي محاولة حثيثة لتبديد هذه المخاوف وإبعاد شبح الماضي، سارع وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، إلى رسم خط فاصل بين المغامرة العسكرية الحالية وبين كوابيس الماضي. وقد صرح بوضوح في إحاطة للبنتاغون قائلاً: “نحن لسنا في عام 2003، ولن نتورط في مشاريع بناء الأوطان اللامتناهية التي شهدناها في مستنقعات بوش و أوباما”. وقد تناغمت هذه التصريحات مع تلميحات ترامب الأخيرة بأن دور واشنطن في هذه الحرب قد يشارف على الانتهاء، مدعياً إنجاز المهمة عبر تدمير الجزء الأكبر من القدرات العسكرية الإيرانية. غير أن هذا التبرير يتناقض جذرياً مع الذرائع الأولى التي ساقها لدخول الحرب، حيث بدأ بتسويق العمل العسكري كدعم للاحتجاجات الداخلية في إيران، قبل أن تتوسع قائمة المبررات لتشمل البرنامج النووي، والصواريخ، والقوة البحرية، وصولاً إلى الذريعة الأكثر غرابة: القيام بضربة استباقية لمنع طهران من الانتقام للهجمات الإسرائيلية.

هذا التخبط في السردية الأميركية تجلى بوضوح في تصريحات وزير الخارجية، ماركو روبيو، الذي ادعى أن التدخل الأميركي جاء كخطوة استباقية لعلم واشنطن بأن الضربات الإسرائيلية كانت ستستفز إيران لضرب القواعد الأميركية في المنطقة. إنها مفارقة سياسية مريرة لا يعتاد المواطن الأميركي على استساغتها؛ أن يجد رئيسه قد جُذب نحو أتون الحرب مدفوعاً بحسابات زعيم كيان آخر. وسواء صحت هذه الفرضية أم لم تصح، فإنها تفسر بلا شك التدني التاريخي في نسبة التأييد الشعبي لهذه الحرب، والتي لا تتجاوز 41%، في تباين صارخ مع الأغلبية الكاسحة التي دعمت غزو العراق قبل أكثر من عقدين.

وهنا تتجلى زاوية أخرى من زوايا التناقض العميق بين الحليفين، متمثلة في الحسابات السياسية الداخلية. ففي حين توفر هذه الحرب طوق نجاة لنتنياهو، وتحظى بدعم شعبي إسرائيلي واسع يُتوقع أن يُترجم إلى مكاسب انتخابية في عام محفوف بالمخاطر السياسية بالنسبة له، ينظر ترامب إلى الساعة بقلق بالغ. فالرئيس الأميركي يدرك تماماً كلفة الدخول في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل وعلى كاهله حرب لا تحظى بشعبية في الداخل الأميركي، مما يجعله أكثر تعجلاً لإعلان نصر خاطف والانسحاب.

وعلى وقع هذا الانقسام، يقدم ترامب رؤى متناقضة وأقرب إلى السريالية حول مستقبل الحكم في طهران. فهو يستلهم سيناريو “الحلم” الفنزويلي، حيث أطاحت القوات الأميركية بنيكولاس مادورو ونصبت شخصية أكثر مرونة من داخل النظام، مثل ديلسي رودريغيز.

 

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات