الجمعة, مايو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيوهم الانتصار الاستراتيجي بين نزيف موسكو النفطي وعتمة كييف الموحشة!.. بقلم آدم...

وهم الانتصار الاستراتيجي بين نزيف موسكو النفطي وعتمة كييف الموحشة!.. بقلم آدم جبريل

سودان تمورو

على وقع زيارة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، إلى العاصمة الأوكرانية في الأسابيع الماضية، كانت سماء كييف تروي حكاية موازية لا تقل قسوة عن دهاليز السياسة، حيث أسراب طائرات “جيرانيوم” المسيرة الروسية تشق عنان السماء بحثاً عن فرائسها من البنية التحتية لقطاع الطاقة. لم تكن هذه المشاهد وليدة اللحظة، بل هي تجسيد حي لعقيدة عسكرية راسخة أدرك فيها كلا الطرفين أن الطاقة ليست مجرد وقود للمصانع والبيوت، بل هي العصب الحساس الذي يغذي آلة الحرب الروسية من جهة، ويمثل شريان الصمود وبقاء الدولة والمجتمع في أوكرانيا من جهة أخرى. ومع عودة دونالد ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن، وما تلا ذلك من همسات حول طاولات التفاوض، تحولت منشآت الطاقة إلى ساحة لتصفية الحسابات وكسر العظام، حيث يسعى الدب الروسي لإغراق المدن الأوكرانية في بحر من الظلام والصقيع، بينما ترد كييف بضربات غير متكافئة تستنزف شرايين الاقتصاد الروسي. بيد أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه وسط هذا الركام: هل نجح أي من الطرفين حقاً في تحقيق غاياته الاستراتيجية، أم أن رماد هذه المحطات المشتعلة لن يكون سوى أوراق مساومة محترقة في أيدي بوتين وزيلينسكي؟

لفهم هذه المعادلة المعقدة، لا بد من العودة إلى جذور هذا الاستهداف الممنهج منذ انطلاق شرارة الحرب في فبراير من العام ألفين واثنين وعشرين، حيث أدرك الغرب أن كبح جماح الآلة العسكرية الروسية يبدأ بتجفيف منابع تمويلها. انطلقت حينها حملة اقتصادية شرسة قادتها وزارة الخزانة الأميركية والاتحاد الأوروبي، شملت حظراً واسع النطاق على واردات النفط والمشتقات الروسية، وفرض عقوبات خانقة على شركات الطاقة، وتقييد خدمات التأمين والشحن البحري، وصولاً إلى الهندسة المالية المعقدة التي ابتكرتها مجموعة السبع لتسقيف أسعار الخام الروسي. ترافق ذلك مع تحول استراتيجي أوروبي لفك الارتباط التاريخي بغاز موسكو والتوجه نحو الغاز الطبيعي المسال، بالتزامن مع ضربات تخريبية جريئة، كتفجير خط أنابيب “نورد ستريم 2″، في مسعى لتقليم أظافر النفوذ الروسي في أسواق الطاقة الأوروبية.

ومع تبدل المشهد السياسي في واشنطن وعودة ترامب، ممتشقاً سلاح الإكراه الاقتصادي لإجبار الكرملين على إنهاء الحرب، اتخذت المعركة أبعاداً أكثر ضراوة. دشن ترامب استراتيجيته في أواخر عام ألفين وخمسة وعشرين بإنزال مطرقة العقوبات الثقيلة على عملاقي النفط الروسي، “روسنفت” و”لوك أويل”، اللتين تستحوذان منفردتين على نصف إنتاج روسيا من الذهب الأسود. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل لوح بسيف الرسوم الجمركية الثانوية في وجه كبار المشترين، وفي مقدمتهم الهند، محاولاً خنق مسارات التصدير البديلة لموسكو وتضييق الخناق على ما بات يُعرف بـ “أسطول الظل” الذي تستخدمه روسيا للتحايل على العقوبات.

في موازاة هذا الخنق المالي، صعدت أوكرانيا من حرب الظلال التي تخوضها، متكئة على جبال من البيانات الاستخباراتية والفضائية الأميركية الدقيقة التي وفرت لها خرائط مفصلة لنقاط الضعف الروسية. تبلورت الاستراتيجية الأوكرانية في شن حملات غير متكافئة ولكنها جراحية الدقة، مستخدمة أسراباً من المسيرات بعيدة المدى لضرب مصافي التكرير، ومستودعات الوقود، وموانئ التصدير، بل وحتى المنصات البحرية في العمق الروسي. هذه الحملة التي استعرت نيرانها منذ صيف ألفين وخمسة وعشرين ولا تزال تداعياتها تضرب أطنابها في ألفين وستة وعشرين، أسفرت عن أكثر من مئة وعشرين هجوماً ناجحاً. بلغت فاتورة هذه الضربات نحو ثلاثة عشر مليار دولار من الخسائر المباشرة في قطاع النفط، وأطاحت بما يتراوح بين عشرة إلى عشرين بالمئة من قدرات التكرير الروسية، مما أدى إلى ظاهرة لم تكن مألوفة وهي نقص الوقود في بعض المدن الروسية، وارتفاع أسعار البنزين، واضطراب في الإمدادات الكهربائية والصادرات. ولعل اعتراف وزارة المالية الروسية مؤخراً بانخفاض إيرادات النفط والغاز لعام ألفين وخمسة وعشرين بنسبة اثنين وثلاثين بالمئة عما كان مخططاً له، يمنح أنصار كييف نشوة مؤقتة بأن إطالة أمد الحرب قد تنجح في خنق الاقتصاد الروسي حتى الموت.

على الجانب الآخر، ورغم التخبط الأولي الذي وسم الأداء الروسي في الأشهر الأولى للحرب نتيجة سوء تقدير الكرملين واعتقاده بحسم عسكري خاطف، إلا أن خريف العام ألفين واثنين وعشرين شكل نقطة تحول استراتيجية. أدركت القيادة الروسية أن الحرب دخلت نفق الاستنزاف المظلم، لتبدأ حملة منهجية قاسية لاستهداف محطات الطاقة الحرارية والكهرومائية، وشبكات النقل والتوزيع، ومنشآت الغاز، وأنظمة التدفئة المركزية الأوكرانية.

لم يكن الهدف الروسي من تحطيم هذه البنية التحتية مقتصراً على إعاقة اللوجستيات العسكرية الأوكرانية فحسب، بل كان يرمي في صميمه إلى كسر الإرادة الشعبية، وجعل كلفة الحياة اليومية في أوكرانيا تفوق قدرة المواطن العادي على الاحتمال، في محاولة لتقويض الحاضنة المجتمعية المؤيدة للحرب ودفع القيادة السياسية نحو الاستسلام.

في المحصلة الختامية لهذه المقامرة الكبرى، تبدو الصورة جلية لمن يقرأ المشهد بتجرد: لقد فشل الطرفان في تحقيق الضربة القاضية. روسيا، ورغم قسوة غاراتها التي أدخلت الأوكرانيين في عصور ما قبل الكهرباء، عجزت عن كسر إرادة القتال لدى كييف التي طورت آليات مذهلة للمقاومة والتعافي. وفي المقابل، فإن أوكرانيا، ورغم نجاحها المبهر في توجيه لدغات سامة لخاصرة الاقتصاد الروسي وكبده النفطي، لم تفلح في شل آلة الحرب الروسية بالكامل أو إجبار الكرملين على إيقاف زحف جنوده. إنها “حرب لا غالب فيها ولا مغلوب” في قطاع الطاقة، حيث تحولت هذه البنية التحتية المدمرة إلى مجرد رصيد دموي يراكمه الطرفان، استعداداً للحظة التي يجلس فيها الجميع على طاولة المفاوضات، لتبادل التنازلات تحت أضواء خافتة لا تكفي لإخفاء حجم الدمار المتبادل.

 

 

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات