سودان تمورو
إذا أردنا النظر إلى هذه الحرب بواقعية، مع الأخذ في الاعتبار جميع العوامل ومتابعة التطورات حتى هذه اللحظة، فيبدو أن هذه المواجهة تمتلك إطاراً زمنياً محدداً، لكنه بالغ الحساسية والتأثير. قد لا يتجاوز هذا الإطار عشرين يوماً. غير أن هذه الأيام العشرين لا يمكن النظر إليها كوحدة واحدة؛ بل ينبغي تقسيمها إلى مرحلتين متمايزتين، كل منهما تمتد نحو عشرة أيام، لأن طبيعة الأحداث في كل مرحلة تختلف جذرياً عن الأخرى.
الأيام العشرة الأولى تمثل ما يمكن تسميته بمرحلة “الصدمة الاستراتيجية”. ففي هذه الفترة لا تكون الأحداث مجرد عمليات عسكرية تقليدية، بل تحولات تضرب في عمق التصورات القائمة على ميزان القوة. ما جرى مع ظهور الصواريخ الإيرانية في سماء تل أبيب، والهجمات التي طالت القواعد الأمريكية في المنطقة، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل حدثٌ قلب جزءاً من الحسابات الدولية رأساً على عقب. كثير من الدول كانت تنظر إلى إيران بوصفها قوة إقليمية محاصرة، تعمل تحت ضغط العقوبات ولا تمتلك القدرة على خوض مواجهة مباشرة بهذا المستوى. لكن عندما تشاهد هذه الدول أن قلب الأراضي المحتلة يتعرض لنيران مباشرة، وأن قواعد أمريكية في المنطقة باتت ضمن دائرة الاستهداف، فإن حساباتها السياسية لا بد أن تتغير. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التغيير في الحسابات على الخطاب السياسي مستقبلاً. فالدول التي كانت تتحدث مع إيران بلغة التهديد أو المطالبة — مثل بعض الدول التي تثير قضية الجزر الثلاث، أو تلك التي تتبنى مشاريع جيوسياسية ضاغطة في القوقاز — ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في نبرة خطابها. فعندما تُعرض القوة الحقيقية في الميدان، تتغير لغة السياسة تلقائياً. لكن الأهم من كل ذلك هو التحول النفسي الكبير الذي يحدث في هذه المرحلة. فالصورة التي رُسمت لعقود عن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي بوصفهما قوتين لا تُهزمان بدأت تتصدع. لقد بُنيت هذه الهيبة عبر سنوات طويلة من الدعاية العسكرية والسياسية، لكن أي مواجهة مباشرة تكشف حدود القوة الحقيقية. ومن اللحظة التي تتصدع فيها تلك الصورة، تبدأ أطراف إقليمية كثيرة بإعادة تقييم رهاناتها. وقد ينعكس ذلك على مشاريع سياسية كبرى في المنطقة، مثل مسار التطبيع أو ما عُرف باتفاقيات السلام الإبراهيمي.
إذا كانت الأيام العشرة الأولى مرحلة كسر الهيبة وتغيير المناخ النفسي، فإن الأيام العشرة التالية تمثل مرحلة الحسم الفعلي لمسار الحرب. في هذه المرحلة لا يعود استعراض القوة هو العامل الحاسم، بل القدرة على الاستمرار. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالضربات الأولى، بل بمدى قدرة كل طرف على الحفاظ على وتيرة العمليات. هنا يُختبر المخزون العسكري، والقدرة اللوجستية، وكفاءة أنظمة الدفاع والهجوم لدى الطرفين. فالدفاعات الجوية تحتاج إلى مخزون واعتراض مستمر، بينما تتطلب العمليات الهجومية قدرة دائمة على الإطلاق والتجديد. عند هذه النقطة تبدأ الصورة الحقيقية للتوازن العسكري في الظهور. وفي الوقت نفسه، تبرز ساحة أخرى لا تقل أهمية عن ساحة القتال: حرب الروايات. فالإعلام في مثل هذه الحروب لا يكون مجرد ناقل للأحداث، بل يصبح جزءاً من المعركة ذاتها. كل طرف يحاول تضخيم ضرباته وإخفاء خسائره، ويعمل على التأثير في معنويات المجتمعات والخصوم على حد سواء. ولهذا تصبح إدارة الرواية الإعلامية مسألة بالغة الحساسية. فالمعركة لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضاً بالصورة والخبر والتحليل.
إذا استطاعت دولة ما عبور هذه المرحلة الثانية مع الحفاظ على تفوقها العسكري والسياسي، فإن نتائج الحرب لن تقتصر على نصر ميداني محدود. بل قد تقود إلى تحول عميق في موقعها ضمن النظام الدولي. فالدولة التي تتمكن من الصمود في مواجهة بهذا الحجم، في ظل اشتباك مع قوى كبرى وحلفاء إقليميين، ستجد نفسها وقد انتقلت إلى مستوى جديد من التأثير والردع. لكن هذا التحول لا يتحقق تلقائياً. فهناك شرط أساسي: أن تدرك القيادة السياسية طبيعة اللحظة التاريخية الجديدة، وأن تتصرف على أساسها في صياغة السياسات والتحالفات. فإن تحقق هذا الإدراك، فقد نشهد خلال السنوات التالية تغيرات كبيرة في معادلات القوة في المنطقة وربما في العالم بأسره. وعندها لن تكون هذه الحرب مجرد حدث عابر في التاريخ، بل نقطة تحول تعيد رسم ملامح مرحلة جديدة.
قراءة تحليلية في مسار المعركة!.. بقلم سامح لطفي
مقالات ذات صلة
- Advertisment -<>>
