سودان تمورو
تعتمد الاستراتيجية الهجومية للولايات المتحدة وإسرائيل في جوهرها على عقيدة عسكرية كلاسيكية تتألف من عنصرين متلازمين: “الصدمة والترويع”. لقد تجلى هذا النهج بوضوح صارخ خلال الـ 72 ساعة الأولى من اندلاع المواجهة، حيث سعت الآلة العسكرية الغربية والإسرائيلية إلى شل إرادة الخصم وإرباك حساباته عبر ضربات مكثفة ومفاجئة. إلا أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تؤكد أن مفعول هذه الاستراتيجية قد تبدد تدريجياً ووصل إلى نهايته الحتمية، ما يدفعنا إلى الاعتقاد الراسخ بأن ذروة الخطر الفعلي قد زالت، وأن قواعد الاشتباك قد دخلت مرحلة جديدة محكومة بتوازنات قوى مختلفة تماماً.
ولفهم طبيعة هذا التراجع، يجب تفكيك البنية التكتيكية للهجوم الإسرائيلي، والذي يرتكز بشكل أساسي على حرب الاستخبارات وسلسلة الاغتيالات الممنهجة. إن هذه العمليات الأمنية هي المحرك الفعلي لحالة “الصدمة والترويع”، وبمجرد أن تمكنت قوى المقاومة من استيعاب الضربة وتكييف منظوماتها الأمنية لتعطيل أو إبطاء سلسلة الاغتيالات، فقدت الاستراتيجية الهجومية الإسرائيلية أهم مخالبها وتم تعديل مسارها بشكل جذري. يتزامن هذا الفشل العملياتي مع عجز واضح في الرهان على الداخل الإيراني؛ ففي مفارقة تاريخية صارخة، نجد أن من يطالبون اليوم بإسقاط النظام وإحداث ثورة، يختارون الهروب أولاً إلى الخارج ثم يحاولون ممارسة النضال من خلف الشاشات، في تناقض تام مع الروح التي صنعت الثورة الإسلامية عام 1979 والتي قامت على التواجد الميداني والتضحية، ما يجعل الرهان على هذه المعارضة الإسفيرية مجرد وهم استراتيجي.
في المقابل، وبالنظر إلى تحول الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة تشمل الشرق الأوسط بأسره، تبدو الكثافة النيرانية وحجم الرد من قبل إيران ومحور المقاومة مقبولين ومتناسبين تماماً مع حجم التحدي ومقتضيات الردع. لم تكن طبيعة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية مفاجئة على الإطلاق، بل كانت متوقعة ومقروءة بدقة ضمن الحسابات الاستراتيجية لمحور المقاومة. إننا نشهد اليوم تطبيقاً حرفياً لنموذج “حرب الاثني عشر يوماً”، ولكن بنسخة أوسع نطاقاً وأكثر حدة، حيث تتجه العمليات العسكرية تدريجياً نحو الانخفاض في الكم، مع زيادة ملحوظة في دقتها واستهدافها النوعي.
هذا التراجع في كثافة النيران لا يعود إلى نوايا سلمية، بل تفرضه حقائق الجغرافيا الميدانية والتعقيدات اللوجستية التي أرهقت التحالف الأمريكي الإسرائيلي. إن العمق الجغرافي الشاسع لإيران، بالتوازي مع التوسع الأفقي لجبهات القتال في لبنان والعراق، أدى إلى تشتيت القوة الجوية المهاجمة وفرض حالة من الاستنزاف الحاد على سلاح الجو الأمريكي. يضاف إلى ذلك تحييد القواعد العسكرية القريبة من مسرح العمليات، واضطرار حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” للابتعاد عن المياه الساخنة، مما أجبر واشنطن على الاعتماد على قواعد جوية بعيدة جغرافياً. هذا الواقع الجديد وضع شبكة طائرات التزود بالوقود جواً تحت ضغط عملياتي هائل وغير مسبوق، ليثبت مجدداً أن التفوق التكنولوجي يقف عاجزاً عندما تقرر جغرافيا المنطقة، وتماسك جبهات المقاومة، فرض كلمتها الأخيرة في معادلة الحرب.
