سودان تمورو
وسط هدير المدافع وهدوء الغرف السرّية، تتكاثر الاتصالات وكأنها موسيقى دبلوماسية تعزف في قاعة مشتعلة بالنار. مكالمات مكرون المتكررة مع الدكتور پزشکیان، تليها اتصالات ترامب بمكرون نفسه، لا تبدو عابرة أبداً. فخلف هذه الحماسة الباريسية الأمريكية تكمن رغبة مستميتة في انتزاع موافقة إيرانية على هدنة ولو قصيرة، أو ربما فتحٍ رمزي لمضيق هرمز يكفي لتخفيف الضغط على الأسواق وشهية النفط المتقلبة.
كل إشارات وزارة الخارجية الإيرانية، من بقایی حتى عراقچي، تصب في هذا الاتجاه. فإيران لم تعد ترد على مكالمات ویتکوف، والبيت الأبيض أسقط اسمه من دائرة الحوار. ثم جاء قالیباف ليحسم الموقف ببيان واضح يعكس إرادة الدولة، قبل أن تتوّجه رسالة القوات المسلحة الإيرانية بكلمة فاصلة.
وكأنَّ المعادلة أُغلقت على قرار صريح بأن لا تراجع في زمن الحرب، إلا بإشارة من الأعلى.
لكنّ السؤال الذي يتسلل خلسةً إلى عقول المتابعين هو لماذا يتحدث في يومٍ واحد كلٌّ من الوزير والمتحدث باسم الخارجية، في قضايا محسومة سلفاً؟ ولماذا يتزامن ذلك مع تراجعٍ مريب في أسعار النفط جعل خبراء السوق يربطون بين التصريحات وبين حركة المؤشر؟ بقایی يقول ذهبنا مرتين إلى التفاوض فقط لنثبت أن أمريكا لا تعرف معنى التفاوض، وعراقچي يعد الشعب بأن يحتفل قريباً بالنصر!
أي نصر بالتحديد؟ وهل يمكن للحروب أن تتوقف رغماً عن انفجار المصالح؟
في واشنطن عطش جنوني لوقف الحرب، ليس لأنهم يحبون السلام، بل لأن السوق يختنق من التوتر. كل دقيقة من هذا الصراع ترفع أسعار النفط، وكل تصريح دبلوماسي غير محسوب من طهران يصب الماء البارد على نار الأسعار. في لحظة نادرة، يبدو أن الكلام أصبح أكثر تأثيراً من السلاح، وأن لعبة التصريحات تتحكم بمصير الأسواق أكثر من الصواريخ.
هنا يبرز السؤال الأخطر: من يقود ماكينة الإعلام السياسي في وزارة الخارجية الإيرانية؟ ومن يُفترض أن يزن كلماته في زمنٍ تتحول فيه كل جملة إلى مؤشر نفطي؟ هل المشورة تأتي فعلاً من خبراء أم من هواة الخطابة؟ حين يقول عراقچي “سوف نحتفل بالنصر خلال أيام”، يتجاوز حدود الدبلوماسية ليدخل فضاء التنبؤ، وكأنّ نهاية الحرب قرار شخصي لا يتصل بعالم الاشتباك ولا بمواقف القوى الكبرى.
في هذا المسار المحموم من الاتصالات، تبدو الدبلوماسية أشبه براقصٍ على أرضٍ مشتعلة؛ تتحرك بخفة ولكنها تخاطر بكل شيء. والغرابة ليست في المكالمات فقط، بل في طريقة تحويلها إلى رسائل سياسية مرتبكة. بين مكرون الذي يريد أن يُثبت أنه قادر على تعديل المزاج الإيراني، وترامب الذي يبحث عن نقطة توازن انتخابية في أزمة الشرق، تظل طهران هي العقدة التي لا يفهمها أحد بالكامل؛ من يلينها يخسر، ومن يتحداها يتوه.
إنها لحظة تفيض بتناقضات. الغرب يريد التهدئة لاعتبارات مالية، وإيران ترفع سقف الثبات باعتبارات شرعية وسيادية، والوسط الدبلوماسي يعيش فوق خطوط النار باسم الحوار. وربما في هذه اللحظة بالذات، يُدرك الجميع أن الحرب ليست فقط في الميدان، بل في الكلمات أيضاً؛ وأن الدبلوماسية حين تصاب بالإنفعال، تصبح هي الأخرى معركة قائمة بذاتها.
