الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهرمز… حين يصبح الممرّ الدولي مرآةً لموازين القوة الجديدة!.. بقلم أميمة أمين

هرمز… حين يصبح الممرّ الدولي مرآةً لموازين القوة الجديدة!.. بقلم أميمة أمين

سودان تمورو

لا يمكن التعامل مع تصريحات وزير الخارجية الهندي بوصفها مجرد موقف عابر في سياق دبلوماسي تقليدي. فالكلمات التي قيلت تكشف، في جوهرها، عن لحظة انتقال في فهم العالم لطبيعة واحد من أهم الممرات البحرية في القرن الحادي والعشرين. إنها إشارة واضحة إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة، مرحلة لم يعد فيها المرور عبر المضائق الحيوية أمراً بديهياً أو مجانياً كما اعتاد كثيرون أن يتصوروا.

لسنوات طويلة ترسّخت في الوعي الدولي فكرة أن مضيق هرمز ليس أكثر من ممر بحري دولي مفتوح للجميع، وأن السفن تستطيع العبور من خلاله بمعزل عن السلوك السياسي أو الأمني للدول التي تستخدمه. كان الافتراض السائد أن هذا الشريان الحيوي للطاقة سيظل مفتوحاً بلا شروط، وأن التوازنات السياسية في المنطقة لا ينبغي أن تؤثر في حركة الملاحة فيه.

لكن الواقع الذي يتشكل اليوم يفرض قراءة مختلفة تماماً. فمضيق هرمز ليس مجرد نقطة على الخريطة البحرية العالمية، بل يقع في قلب معادلة الأمن القومي الإيراني. ومن الطبيعي، في منطق الدول ومصالحها، أن تكون القواعد التي تنظّم هذا الممر مرتبطة باعتبارات الأمن والمصالح الوطنية للدولة التي تشرف على ضفّته الأكثر حساسية.

الإشارة الأهم في هذه التطورات أنها تؤكد أن المخاوف التي عبّر عنها كثيرون بشأن احتمال التراجع أو التساهل في هذه النقطة الاستراتيجية لم تتحقق. بل على العكس، يبدو أن الرسالة التي يجري تثبيتها الآن هي أن هذه الورقة الاستراتيجية ما زالت حاضرة في حسابات القوة الإقليمية، وأنها جزء من أدوات الردع والتوازن في بيئة دولية تتجه نحو مزيد من التعقيد.

الدول التي اعتادت النظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممراً مضموناً لا يتأثر بسياساتها، ستجد نفسها أمام معادلة مختلفة. فمن غير الواقعي أن تشارك بعض الدول في منظومات الضغط والعقوبات أو تصمت أمام حروب مركبة تستهدف إيران، ثم تتوقع في الوقت نفسه أن يبقى أهم شريان للطاقة في العالم مفتوحاً أمامها بلا قواعد وبلا كلفة سياسية.

المراجعة حالةً بحالة، والتي يجري الحديث عنها اليوم، تحمل معنى واضحاً: سلوك الدول تجاه إيران لن يبقى منفصلاً عن طريقة تعامل إيران مع مرورها عبر هذا الممر. العلاقة بين السياسة والجغرافيا البحرية لم تعد قابلة للفصل كما كان يُعتقد في الماضي، بل أصبحت جزءاً من معادلة واحدة تتحدد فيها المصالح والحقوق والالتزامات.

هذه اللحظة تكشف أيضاً حقيقة أعمق تتجاوز النقاش التقني حول الملاحة البحرية. فإيران لم تعد مجرد دولة ساحلية تطل على مضيق هرمز. إنها أحد الأطراف التي تسهم في تحديد قواعد هذا الممر الحيوي، وفي صياغة التوازنات التي تحكمه في مرحلة دولية تتغير بسرعة.

وإذا كان العالم بالفعل يتجه نحو نظام دولي جديد، فإن مضيق هرمز سيكون أحد الأماكن التي تُكتب عندها بعض قواعد ذلك النظام. فالممرات الاستراتيجية لم تعد مجرد خطوط عبور، بل أصبحت نقاطاً يتجسد فيها ميزان القوة والاحترام المتبادل والمسؤولية بين الدول.

وفي هذا السياق، يبدو أن الرسالة التي أرادت طهران إيصالها واضحة: زمن المرور المجاني بلا اعتبار للسياسة والأمن يقترب من نهايته. فالقواعد الجديدة التي تتشكل اليوم تقول إن الأمن والاحترام المتبادل بين الدول ليسا شعارات، بل شروطاً واقعية في عالم لم يعد يسمح بفصل الجغرافيا عن السياسة.

إنها لحظة تؤكد أن إيران عازمة على استخدام ما تملكه من أدوات استراتيجية، وأن هذا الممر الذي منحته الجغرافيا قد يتحول إلى أحد المفاتيح التي تُعاد بها كتابة توازنات المنطقة والعالم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات