سودان تمورو
لماذا يسيطر القلق على المشهد؟ لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تنال حملات الاغتيالات من عزيمة ايران أو تدفعها نحو اليأس والإحباط. ألم تتابعوا كيف لجأ دونالد ترامب إلى التوسل، مستجدياً الدول الأخرى لتأتي وتنقذه في خضم الأزمات المتلاحقة؟ والأهم من ذلك كله، ألم يبلغكم أن الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد رفضت تلبية هذا النداء بشكل قاطع؟ إن الإجابة على التساؤل حول أسباب هذا الرفض تكمن في أن الآلة الإعلامية الصهيونية، ورغم احترافيتها العالية في ممارسة الرقابة وحجب الحقائق عن أنظارنا، لا تستطيع أن تخفي الواقع عن تلك الدول التي تدرك تماماً وبكل وضوح طبيعة التحولات العميقة التي تجري على أرض الواقع.
لو أمعنا النظر في المشهد العسكري اليوم، لتبادر إلى أذهاننا تساؤل جوهري: أين هي حاملات الطائرات الأمريكية التي طالما تباهت بها واشنطن؟ إنها اليوم تختار طريق الهروب والانسحاب. لقد وجهت الدوائر الدفاعية في ألمانيا رسالة واضحة وصريحة لترامب مفادها: كيف تتوقع منا أن ننجز ببضع قطع بحرية ما عجز عن تحقيقه الجيش الأمريكي بترسانته الضخمة وتجهيزاته الهائلة؟ إن المغزى الحقيقي لهذه الكلمات يتجاوز مجرد التقييم التكتيكي؛ فهو يعني بوضوح أن الوزن العسكري لإيران بات مكشوفاً ومعلوماً لديهم، وهم يدركون يقيناً أنهم يقفون وجهاً لوجه أمام قوة عظمى صاعدة تتجاوز قدراتها حدود الإقليم لتفرض معادلاتها الجديدة على الساحة العالمية.
لا نهدف هنا إلى المبالغة أو إخفاء الحقائق، فالمعطيات تؤكد بشكل قاطع أن اليد العليا والتفوق في الميدان العسكري هما من نصيب ايران، لكن المفارقة المؤسفة تكمن في أنها لا نمتلك ذات التفوق في ساحة المعركة الإعلامية. إن الامتناع عن عرض مشاهد الانفجارات أو التداعيات في الداخل ليس من باب التعتيم غير المبرر، بل لأن كل ذي عقل وبصيرة يدرك تماماً الحساسية المفرطة لدور الإعلام في أوقات الحروب العسكرية، ويعلم يقيناً أن النشر العشوائي في هذه المرحلة الاستثنائية يعد خطأً استراتيجياً فادحاً يخدم مصالح الخصم.
ولكن، من المؤسف حقاً أن هذا المبدأ الحساس والبديهي يتم تجاهله في ايران، سواء كان ذلك بدافع الجهل بسيكولوجية الحروب، أو لسوء قصد مبيت، أو نتيجة لاختراقات عميقة في الوعي العام. إن هذا التجاهل المستمر يكبدها أضراراً بالغة ويسحب من رصيد انتصاراتها الميدانية، وفي خضم هذا النزيف الإعلامي، يبدو وكأن الأصوات الناصحة تضيع في الفراغ، ولا أحد يكلف نفسه عناء الإصغاء لصوت العقل والمنطق.
