الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي كيف ابتلع المحافظون الجدد قرار واشنطن وأسسوا لحرب استنزاف مع طهران؟.. بقلم...

 كيف ابتلع المحافظون الجدد قرار واشنطن وأسسوا لحرب استنزاف مع طهران؟.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو:

لقد تجاوزت المواجهة الحالية أهدافها الميدانية الملموسة لتتحول بشكل خطير إلى “حرب هيبة واعتبار” بكل ما تحمله الكلمة من دلالات استراتيجية ونفسية. إن الانزلاق نحو حروب الهيبة يعني بالضرورة حتمية إطالة أمد الصراع؛ حيث يجد كلا الطرفين نفسيهما مضطرين لدفع أثمان باهظة وتحمل تكاليف تتجاوز بكثير أي حسابات عقلانية أو مكاسب سياسية، وذلك خشية التراجع الذي قد يُفسر على أنه هزيمة استراتيجية تكسر صورتهما الردعية أمام العالم.

وعند الغوص في كواليس الإدارة الأميركية وتحولات التشكيلة الوزارية لترامب قبيل اندلاع هذه المواجهة، يتكشف لنا بوضوح مدى الشلل الذي أصاب التيار المناهض للحرب، وعجزه التام عن كبح جماح هذا الانزلاق. فقد أشارت تقارير متطابقة إلى أن بعض أعضاء الإدارة كانوا يبدون شكوكاً عميقة حول جدوى هذه الحرب ونتائجها، حتى أن شخصيات بوزن جي دي فانس عبرت عن معارضتها، وإن كانت بخجل وبنبرة خافتة. لكن في المقابل، نجح صقور المحافظين الجدد في الكونغرس، وعلى رأسهم السيناتور ليندسي غراهام، في نسج شباكهم حول الرئيس وإقناعه بضرورة إشعال فتيل المعركة.

ولعل الاستقالة المددية لجو كينت، رئيس مركز مكافحة الإرهاب الأميركي والشخصية المقربة من فانس، تمثل الدليل الأبرز على هيمنة هذا المسار. فقد أشار كينت في رسالة استقالته بصراحة غير معهودة إلى التأثير الطاغي للوبي الإسرائيلي على دوائر صنع القرار. وتؤكد هذه الاستقالة أن التحليلات والرؤى التي يتبناها المحافظون الجدد قد التهمت عقل الإدارة وسيطرت بالكامل على توجهات ترامب. وفي مقابلته الشهيرة مع تاكر كارلسون، فكك كينت هذه الشيفرة، موضحاً كيف تمكنت إسرائيل ودائرة ضيقة من المستشارين الموالين لها من جر ترامب إلى هذا المستنقع، عبر تزويده بتقارير استخباراتية مضللة وموجهة، تتعارض كلياً مع التقييمات الرسمية لمجتمع المخابرات الأميركي.

في الواقع، لم يكن هذا الشرخ الاستخباراتي وليد اللحظة؛ فمنذ عام 2017، اتسعت الهوة بين ترامب ومؤسسات الاستخبارات الأميركية في كل ما يخص الملف الإيراني، وفي خضم الحرب الحالية، تكفل اللوبي الإسرائيلي بملء هذا الفراغ وتوجيه البوصلة وفق مصالحه. ورغم أن تسريبات تؤكد تلقي ترامب نصائح من بعض مستشاريه بضرورة إعلان “نصر وهمي” والانسحاب السريع من المشهد المعقد، إلا أن سيد البيت الأبيض يبدو مصمماً حتى اللحظة على المضي قدماً في طريق اللاعودة وإدامة أمد الصراع.

وعلى الضفة الأخرى، تدرك طهران جيداً أن تهميش الأصوات المعارضة للحرب في واشنطن يترجم ميدانياً إلى حرب استنزاف طويلة وقاسية، وهو واقع يحتم عليها الاستعداد لسيناريوهات معقدة تحمل في طياتها مخاطر جمة وفرصاً استراتيجية في آن واحد. فمن جهة، ستفرض هذه الإطالة ضغوطاً هائلة وتكاليف غير مسبوقة على النسيج المجتمعي والاقتصاد والقدرات العسكرية الإيرانية.

لكن من جهة أخرى، قد ترى طهران في هذا الاستنزاف الطويل دواءً مراً لا بد منه؛ فهو المسار الوحيد الذي قد ينجح بمرور الوقت في تأليب القاعدة الانتخابية لترامب ضده، ومنح جرعة أكسجين للتيارات المناهضة للحرب في واشنطن، فضلاً عن تكبيد الولايات المتحدة أثماناً استراتيجية قد تضمن لإيران بناء جدار ردع صلب في المستقبل.

إن استمرار هذه الحرب يرفع من احتمالات التدحرج نحو سيناريو الرعب الأكبر بالنسبة للشارع الأميركي: التدخل البري. وهو خيار تظهر استطلاعات الرأي افتقاره لأي غطاء شعبي، ومن شأن حدوثه أن يحول المعركة إلى مستنقع شديد التعقيد والتكلفة لواشنطن. وفي ظل المعطيات الراهنة، يقف التيار المناهض للحرب داخل الحزب الجمهوري عاجزاً ومقيداً أمام ثلاثة حواجز أسمنتية: الدعم القوي من القاعدة الجماهيرية المحافظة، والوضعية الاستراتيجية المعقدة لترامب الذي حوّل المعركة إلى قضية “هيبة” شخصية، والنفوذ الأخطبوطي للمحافظين الجدد واللوبي الإسرائيلي.

هذه العوامل مجتمعة تدفع كرة النار نحو حرب استنزاف قد تخرج عن السيطرة وتصبح غير قابلة للعكس. ولعل الطلب الأخير الذي تقدمت به وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى الكونغرس لتأمين ميزانية إضافية تبلغ $200$ مليار دولار لتمويل الحرب، يمثل الإعلان الرسمي عن تحضيرات واشنطن لصراع مديد. وفي خضم هذه العاصفة، ورغم فاتورة الدم والمال الباهظة التي ستدفعها إيران، فإن استراتيجية “عض الأصابع” وإطالة أمد المعركة قد تكون الرهان الأخير لخلق زلزال في الوعي الأميركي الداخلي، وتأسيس معادلة ردع جديدة تعيد صياغة توازنات القوة في المنطقة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات