الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تقود مغامرة ترامب النفطية واشنطن نحو فخ عسكري مميت؟.. بقلم سعد...

كيف تقود مغامرة ترامب النفطية واشنطن نحو فخ عسكري مميت؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

تتواتر الأنباء في أروقة القرار الأمريكي حول دراسة الرئيس دونالد ترامپ لسيناريو عسكري محفوف بالمخاطر، يتمثل في السيطرة العسكرية المباشرة على جزيرة “خارك” الإيرانية، تلك البقعة الجغرافية التي طالما وصفها ترامپ بـ”جوهرة التاج” الإيراني، نظراً لاحتضانها المحطة الرئيسية التي يمر عبرها نحو تسعين بالمائة من صادرات طهران النفطية. وتأتي هذه التسريبات في وقت تتصاعد فيه أصوات صقور واشنطن المناهضين لطهران، مطالبين الإدارة الأمريكية بـ”الإجهاز التام” على الجزيرة، لا سيما بعد القصف الأمريكي الذي استهدفها الأسبوع الماضي وتجنب –عن قصد حينها– المساس بمنشآتها النفطية الحيوية. هذا التحول المفاجئ في التركيز على جزيرة لم تكن تتصدر المشهد الإعلامي من قبل، يطرح تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التصعيد، والمآلات الكارثية التي قد تترتب على وضع هذه الفكرة موضع التنفيذ.

لم تكن فكرة السيطرة على جزيرة خارك وليدة اللحظة، بل هي حبيسة أدراج البنتاغون وخططه الاستراتيجية منذ عقود. ففي خضم أزمة الرهائن عام 1979، راودت الرئيس الأسبق جيمي كارتر فكرة مهاجمة الجزيرة أو احتلالها قبل أن يتراجع عنها. ومن المفارقات التاريخية أن ترامپ نفسه كان قد طرح فكرة الاستيلاء على “خارك” منذ عام 1988، إبان ترويجه لكتابه الشهير “فن الصفقة”. وإذا ما أردنا تفكيك هذا السيناريو وفقاً للمنطق العسكري الكلاسيكي، فإن الخطة تفترض قيام القوات الأمريكية، عبر عمليات إنزال جوي أو هجوم برمائي، باحتلال الجزيرة. ويقوم هذا الافتراض على حسابات تبسيطية ترى أن مصادرة نفط إيران وحرمان الحكومة من عائداتها سيؤدي حتماً إلى عجزها عن دفع رواتب قواتها المسلحة، مما سيجبر طهران في النهاية على رفع الراية البيضاء والجلوس إلى طاولة المفاوضات صاغرة.

إن هذه الخطة تبدو وكأنها فُصلت خصيصاً لتلائم مزاج ترامپ السياسي؛ فهي تمزج بين الاستعراض العسكري الجريء وعقيدة “الاستيلاء على النفط” التي طالما لوّح بها في تعاطيه مع أزمات سابقة كالأزمة الفنزويلية. والأهم من ذلك، أن هذا الخيار –على النقيض من سيناريوهات أخرى كضرب المنشآت النووية– يقدم وعوداً براقة بـ”انتصار حاسم ومطلق”، وبأقل تكلفة جغرافية ممكنة، من خلال السيطرة على جزيرة تقل مساحتها عن مساحة مانهاتن. ولكن، ورغم كل هذه الإغراءات النظرية، فإن القراءة المتأنية للواقع تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا المخطط محكوم عليه بالفشل الذريع.

على الصعيد الاستراتيجي، يُعد استخدام سلاح قطع الإمدادات النفطية ورقة ضغط واهية، خاصة في التوقيت الراهن. فسياسات ترامپ ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد دفعت القيادة الإيرانية إلى الانخراط في ما تعتبره “حرباً وجودية” خالصة. فبعد حملة الاغتيالات الواسعة التي طالت العشرات من كبار القادة والمسؤولين الإيرانيين وحلفائهم، تدرك طهران جيداً أن الهدف النهائي لهذا التصعيد هو إسقاط الدولة وتفكيكها. وفي ظل هذه العقلية، من السذاجة بمكان تصور أن توافق أي قيادة إيرانية على المساومة على سيادتها الوطنية مقابل استعادة السيطرة على محطة لتصدير النفط.

علاوة على ذلك، فإن الرهان على إنهاء آلة الحرب الإيرانية عبر تجفيف منابع الرواتب العسكرية هو رهان يعكس جهلاً عميقاً بطبيعة العقيدة القتالية هناك. فالجنود الذين يرون عائلاتهم ومدنهم تحت وطأة القصف والتهديد، لن يخلوا مواقعهم ببساطة لمجرد انقطاع رواتبهم الشهرية. ورغم أن فقدان العائدات النفطية سيزيد حتماً من الخناق الاقتصادي على البلاد، إلا أن عقوداً من العقوبات القاسية قد دربت طهران على تطوير مستوى متقدم من الاكتفاء الذاتي في قطاعها الدفاعي. يضاف إلى ذلك العامل الصيني؛ فبكين التي تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني، لن تقف مكتوفة الأيدي، ومن المرجح جداً أن تستمر في توفير قطع الغيار والدعم اللوجستي الذي تحتاجه طهران للصمود.

أما على الصعيد التكتيكي الميداني، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة بالنسبة لواشنطن. فإرسال قوات للسيطرة على خارك لن يكون سوى مزيج مرعب بين “مهمة انتحارية” وأكبر أزمة “احتجاز رهائن” تصنعها أمريكا لنفسها. بالنظر إلى صغر حجم الجزيرة التي لا يتجاوز طولها ثمانية كيلومترات، وافتقار العملية لعنصر المباغتة، فضلاً عن الحاجة الماسة لتأمينها بشكل دائم، سيضطر البنتاغون إلى زج الآلاف من قوات النخبة. نحن نتحدث هنا عن الزج بوحدات استكشافية من مشاة البحرية، ولواء كامل من الفرقة 82 المحمولة جواً، وفوج الصاعقة 75، وغيرها من وحدات التدخل السريع.

وحتى لو افترضنا جدلاً نجاح هذه القوات في السيطرة الأولية على الجزيرة، فإن الكارثة الحقيقية ستبدأ في اليوم التالي. ستجد النخبة العسكرية الأمريكية نفسها محاصرة في رقعة جغرافية ضيقة ومكشوفة، في سيناريو قد يعيد إلى الأذهان كوارث عسكرية تاريخية تتراوح بين مأساة “سقوط الصقر الأسود” في مقديشو، وعمليات الإجلاء اليائسة في “دونكيرك”. بالنسبة لإيران التي تخوض حرب بقاء، فإن إلحاق خسائر بشرية فادحة بالجيش الأمريكي، أو تحويل آلاف الجنود إلى رهائن محاصرين، هو هدف يفوق في قيمته الاستراتيجية كل عائدات النفط. بل إن التكتيك الإيراني قد يتعمد السماح للأمريكيين بالدخول إلى الجزيرة دون مقاومة تذكر، ليتم إطباق الحصار عليهم لاحقاً. هذا الفخ التكتيكي سيجر واشنطن رغماً عنها إلى تصعيد تدريجي خطير، حيث ستصبح أي محاولة لإنقاذ القوات المحاصرة ذريعة حتمية لاجتياح بري شامل للأراضي الإيرانية، مما يغرق الولايات المتحدة في مستنقع حرب إقليمية واسعة النطاق.

في ظل هذا المشهد المعقد، لم يعد انزلاق المنطقة نحو حرب كارثية مجرد احتمال نظري، بل أصبح واقعاً يطرق الأبواب، وهو ما يجب أن يكون دافعاً كافياً لوقف الحرب فوراً. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن إدارة ترامپ تمضي قُدماً في إعداد طلبات تمويل إضافية من الكونغرس لضمان استدامة هذه المواجهة لسنوات قادمة. هنا، سيجد المشرعون الأمريكيون أنفسهم أمام لحظة تاريخية فاصلة ومفترق طرق حاسم: فإما الانصياع لأوهام تغيير النظام في طهران وضخ المزيد من الموارد في أتون حرب لا تبقي ولا تذر، وإما الوقوف بحزم لمنع مخصصات الحرب الإضافية، إنقاذاً لأمريكا من تكرار كارثة غزو العراق التي لا تزال ندوبها غائرة في الجسد الأمريكي حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات