الثلاثاء, يونيو 2, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيفخ التفاوض تحت النيران!.. بقلم لطفي الشناوي

فخ التفاوض تحت النيران!.. بقلم لطفي الشناوي

 

سودان تمورو

في مقاربة السلوك الأمريكي، ولا سيما إبان حقبة دونالد ترامب، حيال سيناريوهات المواجهة المفتوحة مع إيران، تبدو القراءات الأحادية الجانب أو تلك التي ترتكز على عامل تحليلي واحد قاصرة عن تفكيك المشهد. فالإعلان المفاجئ أو التلويح بورقة “المفاوضات الجديدة” في خضم التصعيد لا يُترجم بالضرورة كمسعى جاد ومستعجل لخفض التوتر، بل يتكشف عند التدقيق كحلقة ضمن استراتيجية مركبة ومتعددة الطبقات، تتقاطع فيها حسابات الداخل مع مناورات الخارج.

ولا يمكن بأي حال عزل هذا التوجه عن ارتدادات السياسة الداخلية الأمريكية، التي تلعب دوراً حاسماً في توجيه دفة القرار. فمع تصاعد ضغط الرأي العام، واحتدام حمى التنافس الانتخابي، وتوالي هجمات المعسكر الديمقراطي، يدرك ساكن البيت الأبيض أن إطالة أمد المواجهة العسكرية تعني ارتفاعاً موازياً في الفاتورة السياسية، لا سيما مع انعكاسات ذلك على أسواق الطاقة ومعدلات التضخم. في هذا السياق، يتحول التلويح بالمفاوضات إلى أداة براغماتية لامتصاص غضب الشارع وتبريد الساحات، مع إعادة تقديم ترامب في صورة القائد القوي القادر على الإمساك بخيوط الأزمة وإدارتها، بدلاً من الانجرار الأعمى وراءها.

وبالتوازي مع حسابات الداخل، يبرز عنصر “المفاجأة والتقلب” كعقيدة راسخة ونمط سلوكي متأصل في إدارة ترامب، وليس كحالة استثنائية عابرة. لقد أثبتت التجارب المتراكمة قدرته الفائقة على التنقل الحاد بين طاولات الحوار، ومنابر التهديد، والعمل العسكري المباغت. وعليه، فإن التقاط أي إشارة تفاوضية يجب أن يُقرأ بحذر شديد، إذ لا يمكن فصلها عن احتمالية تصعيد الضغط المتزامن أو حتى توجيه ضربات عسكرية غير متوقعة، في توظيف واضح لدبلوماسية حافة الهاوية.

وعلى الصعيد المالي، تكتسب ورقة التفاوض أبعاداً اقتصادية لا تقل أهمية عن نظيرتها السياسية. ففي بيئة عالمية تتسم بهشاشة الأسواق وحساسيتها المفرطة تجاه التوترات الجيوسياسية -خاصة حين يكون مضيق هرمز جزءاً من المعادلة- ومع إحجام مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن خفض أسعار الفائدة وتكدس طلبات الميزانيات العسكرية الإضافية، يأتي طرح فكرة التفاوض كمسكن تكتيكي يهدف إلى تخفيف الضغط النفسي الحاد الذي يطوق الأسواق العالمية وأسواق الطاقة والبورصات.

ولعل البعد الأعمق والأكثر خطورة في هذه الاستراتيجية يتجاوز حسابات الأسواق وصناديق الاقتراع، ليلامس بنية صنع القرار داخل طهران نفسها. إذ يمكن بناء فرضية تحليلية وازنة تفيد بأن أحد الأهداف الخفية لورقة التفاوض هو إحداث شرخ في الإجماع الإيراني. فإذا سلمنا بأن العقل الاستراتيجي الإيراني يظهر تماسكاً وصلابة استثنائية في حالات “الدفاع العسكري والمواجهة”، فإنه غالباً ما يواجه تعقيدات وتجاذبات أعمق عند مقاربة “القرارات الدبلوماسية”. من هنا، يصبح إلقاء طُعم التفاوض في أوج المعركة محاولة لاختراق هذه النقطة الحساسة، وتحويل الدبلوماسية إلى أداة استخباراتية لرصد دوائر صنع القرار، ونقل جزء من ساحة المعركة إلى الداخل الإيراني.

هذا الاختراق الدبلوماسي الملغوم من شأنه أن يستدعي التباينات الكامنة داخل بنية السلطة في طهران؛ وهي تباينات كانت لتظل مؤجلة إلى ما بعد انجلاء غبار المعركة. إن إقحام مسألة التفاوض في الفضاء العام الإيراني أثناء الحرب قد ينجح في تحويل انتباه المجتمع وإزاحة تركيزه من حالة “الاصطفاف الوطني للدفاع” إلى مربع “الاستقطاب السياسي حول مستقبل السلطة ومسار الدولة”.

أما في ما يخص ثنائية واشنطن وتل أبيب، فإن التحليل الرصين يقتضي الابتعاد عن فخ التصنيفات السطحية التي تروج لوجود قطيعة استراتيجية بين الحليفين. إن ما يعتري هذه العلاقة من تباينات لا يتعدى كونه اختلافات تكتيكية بحتة تتعلق بالتوقيت، ومستوى التصعيد، وكيفية صياغة مشهد النهاية. وعليه، فإن المراهنة على قدرة طهران على التوصل إلى تفاهم منفرد مع واشنطن، بينما تستمر إسرائيل في حربها بشكل مستقل وبلا أثمان، هي فرضية تفتقر إلى الواقعية، على الأقل في المدى المنظور. ومع ذلك، تبقى المحدودية العملياتية لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والتكلفة الباهظة لعمليات الاعتراض عاملاً حاسماً قد يفرض إيقاعاً متسارعاً لوقف إطلاق النار، وهو سيناريو يحاكي ما آلت إليه حرب الـ 12 يوماً الماضية.

في المحصلة، لا تمثل الدعوة للتفاوض في هذا التوقيت المعقد مؤشراً حتمياً على رغبة حقيقية في خفض الحد الأدنى من التوتر، كما أنها ليست مجرد مناورة تضليلية عابرة؛ إنها باختصار ترس أساسي في آلة استراتيجية مركبة، تسعى واشنطن من خلالها إلى حصد مكاسب سياسية واقتصادية واستخباراتية ونفسية في آن واحد، وتحقيق أهداف الحرب بأدوات الدبلوماسية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات