سودان تمورو
في كل مرّةً تُثقل كاهل لبنان الأوجاع الصحيّة،ومرّةً تُحاصره الأزمات،وفي كلّ مرّة، ينزف لبنان بصمتٍ يعرفه أهله جيّداً، ولكنه لا يتوقّف في المقابل عن النهوض.
فالشعبٌ اللبناني تعلّم أن يقف حين يسقط،أن يُرمّم ذاته بيديه،وأن يزرع الأمل… حتى في أكثر الأرض قسوة.
لكن، وسط هذا الصمود الظاهر، تدور معركةٌ صامتة.. داخل البيوت، داخل القلوب، داخل الأطفال.
هناك من ترك منزل، من حمل ذاكرته ورحل، وهناك من بقي.. تحت وقع الأصوات التي لا تُشبه الحياة.
دور الأهل الحقيقي مع الأطفال
وفي خضّم هذا التخبّط،يبقى الأبناء… هم الأكثر هشاشة، فالطفل لا يخاف فقط ممّا سيحدث،بل بما يشعر به أهله.
يرى القلق في العيون،يسمعه في نبرة الصوت، ويعيشه، دون أن يعرف كيف يُسمّيه.
وهنا يبدأ دور الأهل الحقيقي، فليس المطلوب أن تكونوا مثاليّين،ولا أن تُخفوا تعبكم،بل أن تكونوا مساحة أمان.
“أهل بلا خوف”!
لأنّ الطفل، في هذه الظروف، لا يحتاج إلى “أهلٍ بلا خوف”، بل إلى أهلٍ يُطمئنون رغم الخوف. فدماغه الآن في حالة تأهّب،كأنّه ينتظر خطراً في كل لحظة، وأنتم صوته الداخلي الذي يهدأ به العالم.
علّموه أن يقول: “أنا خائف”، بدل أن يصرخ،أو ينسحب،أو يتغيّر سلوكه دون تفسير.
فالأطفال لا يعبّرون دائماً بالكلمات،بل بالسلوك ،بالانفعال بالصمت.
ومع عودة التعليم في بعض المناطق و الدراسة عبر “الأونلاين” في مناطق أخرى، لا تجعلوا الدراسة عبئاً إضافياً،بل اجعلوها ملاذاً، فالروتين، ليس تفصيلًا بسيطاً،إنّه إعادة ترتيب للعالم داخل الطفل.
تقنيات يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً
وهنا بعض التقنيات التي يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً :
أولًا: مساحة ثابتة… ولو صغيرة
ليس المهمّ حجم المكان، بل ثباته، ركنٌ بسيط، زاوية هادئ، تصبح مع الوقت رسالة للطفل:”هنا نحن بخير”، وفي حال عدم توفر الأماكن،فلتكن الطبيعة بديلاً شجرة، شرفة، ملعب مدرسة، ضوء شمس، كلّها مساحات شفاء.
علّموه أن يقول: “أنا خائف”، بدل أن يصرخ،أو ينسحب،أو يتغيّر سلوكه دون تفسير.
ثانياً: دفتر المشاعر
حين تعجز الكلمات يتكلّم الرسم، أعطوه دفتراً،ودعوه يلوّن خوفه، قلقه، غضبه، فالرسم ليس لعباً،بل تفريغٌ عميق لما لا يُقال.
-ثالثاً: لغة الأمان:
كرّروا على مسامعهم عبارات بسيطة، لكنّها تصنع فرقاً كبيراً: “أنا معك،أنت بأمان، لن أتركك”.
واصنعوا معهم خيالاً حامياً… “فقاعة الأمان”، وهو مكانٌ وهميّ، يدخلونه حين يخافون،لكن أثره حقيقي جداً.
-رابعاً: تنفّس الاطمئنان
حين يتسارع القلب، أعيدوا للجسد هدوءه، شهيق بطيء، 4 ثوانٍ، حبس النفس، ثانيتان زفير طويل، 6 ثوانٍ ومع كل زفير، يهمس الطفل: “أنا بأمان… أنا هادئ”.
كرّروها 5 مرّات،وسترون كيف يهدأ الجسد.. قبل الكلمات.
-خامساً: حماية الحواس
الأخبار وفق رأي بعض الباحثين، ليست للأطفال،والضجيج الخارجي، فهو يتحوّل بسهولة إلى قلق داخلي.
لا تكذبوا عليهم،لكن لا تُغرقوهم بالتفاصيل، واستبدلوا ذلك… بموسيقى هادئة،بأصوات تُشبه الحياة، لا الخوف.
-سادساً: التأريض (Grounding)
حين يضيع الطفل في قلقه، أعيدوه إلى “الآن”.
اطلبوا منه:
-5 أشياء يراها.
-4 أشياء يلمسها.
-3أصوات يسمعها.
-2 روائح يشمّها.
-1 شيء يتذوّقها.
قولوا لأطفالكم: لا تقارنوا أنفسكم بظروفٍ “طبيعيّة”. فأنتم لا تعيشون ظرفًا طبيعياً أصلًا.
أنتم تفعلون المستحيل… كل يوم، وهذا بطولة.
بهذا… يعود من الخوف… إلى الحاضر، وأخيراً “الحضن لا شيء يعادل حضناً صادقاً، اقتربوا منهم.
دعوا أجسادكم تقول ما تعجز عنه الكلمات
-لا تقارنوا أنفسكم بظروفٍ “طبيعيّة”. فأنتم لا تعيشون ظرفًا طبيعياً أصلًا.
أنتم تفعلون المستحيل… كل يوم، وهذا بطولة.
ولا تنسوا أنفسكم، فالأهل المنهكون، لا يستطيعون منح الأمان، اعتنوا بقلوبكم،بهدوئكم، بأنفاسكم،لأنّ الأطفال لا يعيشون فقط في بيوتكم،بل في حالتكم النفسيّة.
وفي النهاية…تذكّروا أنتم لا تكتفون بحماية أطفالكم، بل تُربّون جيلًا، سيبني المستقبل.
وكلّ يوم تصمدون فيه،كلّ لحظة احتواء،كلّ كلمة طمأنينة.. هي سطرٌ جديد،تكتبونه في تاريخ أمّة،ويبقى الأمل الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الحروب قتله.
