السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبريق خافت في أتون الصراع.. لماذا سقطت التوقعات التاريخية لأسعار الذهب؟.. بقلم...

بريق خافت في أتون الصراع.. لماذا سقطت التوقعات التاريخية لأسعار الذهب؟.. بقلم احمد حسن

سودان تمورو

في اللحظات التي تحتبس فيها أنفاس العالم وتُقرع طبول الحرب، لطالما اتجهت الأنظار تاريخياً نحو بريق المعدن النفيس، باعتباره الملاذ الآمن والقلعة الحصينة التي تحتمي بها رؤوس الأموال وتلوذ بها الدول هرباً من تقلبات الجيوسياسة المفتوحة على كل الاحتمالات. غير أن المشهد الراهن، في ظل المواجهات العسكرية المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يفرض مفارقة اقتصادية تستدعي الكثير من التوقف والتأمل؛ إذ يتساءل المراقبون عن أسباب العزوف المفاجئ لمؤشر الذهب عن التحليق عالياً كما تقتضي السنن التاريخية للحروب، حيث لا يزال سعر الأونصة يتأرجح دون حاجز الـ $4500.

لقراءة هذا المشهد المعقد، لا بد أولاً من وضع الأمور في نصابها الزمني والموضوعي، فالتأكيد على أن السعر الحالي ليس منخفضاً بحد ذاته هو مفتاح الفهم الأولي. فإذا ما عقدنا مقارنة بسيطة مع الفترة الزمنية ذاتها من العام الماضي، سنجد أن سعر الأونصة كان يقبع حينها دون مستوى الـ $3000. أما تلك القفزة الهائلة التي شهدتها الأشهر الماضية، والتي جعلت الأسعار تلامس حاجز الـ $6000 للأونصة، فلم تكن في حقيقتها سوى استجابة حادة لإرهاصات الحرب ونذرها الأولى، حين كانت الأسواق تسعّر مخاوفها مسبقاً قبل انطلاق الرصاصة الأولى.

وقد انبرى العديد من الخبراء الاقتصاديين لتفسير حالة التراجع النسبي أو الثبات الحالي في أسعار الذهب، مرجعين ذلك إلى ديناميكيات أسواق الطاقة. وترتكز هذه المقاربة على أن أزمة إغلاق مضيق هرمز قد خلقت اختناقاً حاداً في إمدادات الطاقة العالمية، مما دفع بعض البنوك المركزية إلى اتخاذ قرارات اضطرارية بتسييل جزء من احتياطياتها الذهبية لتوفير السيولة النقدية العاجلة، بغية تلبية احتياجات بلدانها المُلحة من النفط الذي ارتفعت تكاليف تأمينه بشكل غير مسبوق.

ومع ذلك، تبدو هذه المقاربة قاصرة عن الإحاطة بالصورة الاستراتيجية الأشمل. فالحقيقة الكامنة خلف كواليس الاقتصاد العالمي تشير إلى أن البنوك المركزية كانت قد اتجهت بشراهة في الأشهر التي سبقت اندلاع المواجهات لمراكمة احتياطيات ضخمة من الذهب، بناءً على حسابات جيوسياسية مختلفة تماماً. كانت التوقعات السائدة في أروقة صناعة القرار المالي تفيد بأن واشنطن ستتجه لحسم ملفي فنزويلا وإيران بضربات خاطفة وسريعة، لتتفرغ بعدها لصراعها الأكبر والأخطر؛ حرب كبرى ومفتوحة بين الولايات المتحدة والصين. وفي سيناريو مرعب كهذا، كان من المتوقع أن ترد بكين برفض قاطع للتعامل بالدولار الأمريكي، مما سيجعل الذهب هو العملة الوحيدة المقبولة، والوسيلة الأوحد للتبادل التجاري في زمن الحرب بين الجبابرة.

لكن ما حدث على أرض الواقع قلب هذه المعادلات رأساً على عقب. فقد أدى الصمود والإستبسال الإيراني واستنزاف القدرات العسكرية الأمريكية، مصحوباً باستنفاد ملحوظ في مخزونات الذخائر الاستراتيجية لوشنطن، إلى إعادة تشكيل القناعات الدولية. هذا الواقع الميداني بعث برسالة طمأنة خفية إلى الأسواق العالمية، مفادها أن الولايات المتحدة، المثقلة بأعباء هذا الصراع، لم يعد بمقدورها فتح جبهة مواجهة شاملة مع التنين الصيني في المستقبل القريب. ومع تبدد شبح الحرب الأمريكية الصينية، وتراجع احتمالات انهيار النظام المالي، تنفست الأسواق الصعداء، وعادت أسعار الذهب إلى وضعها الطبيعي، متخلية عن تلك العلاوة السعرية الضخمة التي اكتسبتها من رحم المخاوف الاستراتيجية الكبرى.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات