خاص سودان تمورو
لم يكن المشهد عادياً حين عرض وزير الثروة الحيوانية خدماته المهنية على منصة “لينكدإن” بحثاً عن عمل جزئي يعينه على مواجهة أعباء الحياة، مبرراً ذلك بضعف الراتب الذي يتقاضاه من الحكومة. في الظاهر يبدو الأمر طريفاً أو مثيراً للسخرية لدى بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه في جوهره يكشف أزمة أعمق بكثير من مجرد شكوى شخصية لمسؤول حكومي. إنه مؤشر صريح على اختلال فلسفة إدارة الدولة نفسها، وعلى التناقض بين طبيعة المناصب الدستورية ومتطلبات العيش الكريم لمن يشغلونها.
قبل سنوات، في عهد الرئيس المعزول عمر البشير، أعلنت الحكومة عن رواتب الدستوريين، وكان راتب الوزير آنذاك يعادل نحو ألفي دولار. يومها ضجت وسائل الإعلام ووسائط التواصل بالانتقادات الحادة للفارق الكبير بين رواتب الدستوريين وسائر الموظفين في الدولة. اعتبر كثيرون أن تلك الرواتب تعكس فجوة طبقية صارخة داخل جهاز الدولة نفسه، وأنها تعبير عن امتيازات غير مبررة.
لكن في خضم ذلك الجدل برز رأي آخر دافع عنه بعض الصحفيين، ومن بينهم الهندي عزالدين، إذ أشاروا إلى طبيعة المجتمع السوداني القائمة على التكافل الاجتماعي، حيث يصبح صاحب المنصب الرفيع ملاذاً لكثير من الأقارب والمعارف والمحتاجين. وبحسب هذا الطرح، فإن الالتزامات الاجتماعية التي تفرضها الثقافة السودانية على المسؤولين قد تجعل حتى الرواتب المرتفعة عاجزة عن تلبية تلك الالتزامات، فضلاً عن متطلبات الحياة الخاصة.
سواء اتفق المرء مع هذا الرأي أو اختلف معه، فإن الوقائع تقدم أمثلة تؤكد أن ضعف رواتب المناصب الدستورية ليس مسألة جديدة. ففي عام 2015 استقال معتمد الحصاحيصا من منصبه وفضّل العودة إلى التدريس في الجامعات السعودية، لأن العائد المالي من وظيفته الأكاديمية كان أفضل بكثير من راتب منصبه الدستوري داخل السودان. كان ذلك القرار وقتها دليلاً مبكراً على خلل واضح في هيكل الرواتب الحكومية.
اليوم يتجدد النقاش ذاته مع انتشار تعليق الوزير على منصة مهنية عالمية، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً: هل فعلاً مخصصات الدستوريين هي التي ترهق خزانة الدولة؟
الحقيقة أن هذا القول صحيح من زاوية، وخاطئ من زاوية أخرى. خطؤه يكمن في أن شاغلي المناصب الدستورية غالباً ما يفترض أن يكونوا من الصفوة والنخب، ممن يُعهد إليهم بإدارة الشأن العام واتخاذ القرارات المصيرية. ومن غير المنطقي أن تطالب الدولة هؤلاء بالترفع عن المغريات، وبالتفرغ لخدمة البلاد، بينما لا توفر لهم دخلاً كريماً يحفظ لهم الاستقلال المادي والاعتباري. فالرواتب المجزية ليست ترفاً، بل هي إحدى أدوات حماية الوظيفة العامة من تضارب المصالح ومن إغراءات الفساد.
لكن القول ذاته يصبح صحيحاً حين ننظر إلى العدد الهائل من المناصب الدستورية التي يجري استحداثها في كثير من الأحيان لأغراض الترضية السياسية أو لكسب الولاءات. المشكلة الحقيقية إذن ليست في قيمة الراتب بقدر ما هي في تضخم عدد شاغلي هذه المناصب. فحين يتضاعف عدد الوزراء والمستشارين والولاة بصورة تفوق حاجة الدولة الفعلية، تتحول الرواتب والمخصصات إلى عبء ثقيل على الخزانة العامة.
ولعل التجربة السابقة تقدم مثالاً واضحاً على كيفية تعامل الحكومات مع هذه المعضلة. فقد درجت حكومة البشير في كثير من الأحيان على معالجة مشكلة ضعف الرواتب بطرق ملتوية، إما عبر التغاضي عن سوء استخدام بعض كبار المسؤولين لمواقعهم، أو بغض الطرف عن الرشاوى وأشكال الفساد المختلفة. أما أولئك الذين كانوا يحاولون الابتعاد عن هذا المستنقع، فكان الحل في منحهم وظائف متعددة أو مواقع متوازية برواتب متعددة، حتى يتمكنوا من تلبية التزاماتهم المعيشية.
بهذه الطريقة تحولت الدولة تدريجياً إلى شبكة معقدة من المناصب والامتيازات غير المتوازنة، وهو وضع لا يضر فقط بالمال العام، بل يضر أيضاً بصورة الخدمة المدنية وهيبة الوظيفة الدستورية.
إن واقعة الوزير الباحث عن عمل إضافي ليست مجرد قصة عابرة في فضاء الإنترنت، بل هي مرآة تعكس أزمة هيكلية في إدارة الموارد البشرية داخل الدولة السودانية. وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذا الجدل، فهو أن إصلاح منظومة الرواتب لا يجب أن يقتصر على الدستوريين وحدهم، بل ينبغي أن يشمل كل العاملين في الجهاز الحكومي.
فما يجري اليوم من إضرابات بين أساتذة الجامعات السودانية بسبب ضعف الرواتب يوضح أن المشكلة أوسع بكثير من منصب وزير أو مسؤول. إنها أزمة تمتد من قمة الهرم الإداري إلى قاعدته.
ولذلك فإن المطلوب ليس فقط رفع الرواتب، بل إعادة بناء فلسفة التوظيف العام: تقليل عدد المناصب الدستورية إلى الحد الضروري، وتوفير رواتب عادلة ومحترمة لمن يشغلونها، وفي الوقت نفسه إصلاح شامل لمنظومة أجور الخدمة المدنية.
فالدولة التي تريد مسؤولين نزيهين ومتفرغين لخدمة شعبهم، عليها أولاً أن تضمن لهم الحد الأدنى من الاستقلال المادي الذي يحميهم من الحاجة… ويحمي الدولة نفسها من الانزلاق إلى الفساد.
