الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيفخ الحسابات الكبرى.. حين يخون التكتيكُ الاستراتيجية!.. بقلم نزار أحمد

فخ الحسابات الكبرى.. حين يخون التكتيكُ الاستراتيجية!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

نجح صُنّاع القرار الاستراتيجي في إيران، على الصعيد العملياتي البحت، في تحقيق هدف حيوي يتمثل في تصدير أعباء الحرب وتكاليفها الباهظة إلى خارج حدودهم الجغرافية، محولين المواجهة إلى أزمة إقليمية ودولية متشابكة. فمن خلال الهجمات المضادة، وتهديد خطوط إمدادات الطاقة العالمية، ورفع مستويات المخاطرة في أسواق النفط، فضلاً عن بث الهواجس العميقة حول أمن الخليج وممارسة ضغط نفسي هائل على الفاعلين الخارجيين؛ بعثت طهران برسالة حاسمة مفادها أن أي حرب تشن عليها لن تبقى حبيسة الجغرافيا الإيرانية. وفقاً لهذا المنظور، أدرك الخصم أن كلفة استهداف إيران تتجاوز بكثير مجرد الانخراط في عملية عسكرية محدودة. بيد أن هذا النجاح التكتيكي الميداني لم يترجم إلى انتصار على المستوى الاستراتيجي، إذ تعثرت طهران في بلوغ أهدافها السياسية الكبرى، ويعزى هذا الإخفاق بالأساس إلى سوء تقدير عميق، أو تهميش غير مبرر، لمتغيرات جوهرية حاكمة لمسار الصراع.

تجلت أولى هذه الحسابات الخاطئة في إخفاق طهران في استشراف السلوك الفعلي للأسواق في ظل اقتصاديات الحرب، لا سيما عندما يعمد الخصم إلى تحويل السوق ذاته إلى ساحة قتال مفتوحة. في الأدبيات الاستراتيجية الكلاسيكية، يُفترض دائماً أن القفزات الجنونية في أسعار النفط، وحالة الذعر التي تضرب الأسواق المالية، واضطراب سلاسل التوريد، والمخاوف من إغلاق الممرات المائية الحيوية، هي عوامل ضغط كافية لإجبار الحكومات الغربية على كبح جماح التصعيد. غير أن هذه المعادلة الميكانيكية فقدت صلاحيتها وموثوقيتها في حقبة إدارة ترامب؛ فهذا الأخير وحلقة مستشاريه والمقربين منه لا يخشون اضطراب الأسواق، بل يعمدون إلى توظيف هذه الفوضى كأداة للابتزاز السياسي، واستعراض القوة، بل وتمرير مصالح شخصية ومالية بحتة. وقد عززت التقارير المتواترة حول الارتباطات التجارية لشبكات النفوذ المحيطة بعائلة ترامب مع شركات الصناعات الدفاعية -التي تتطلع بنهم إلى عقود التسليح في الخليج وسط هذه المعمعة- قناعةً بأن الحرب، بالنسبة لهذا المعسكر، لم تعد مجرد معضلة أمنية، بل هي فرصة ذهبية تتشابك فيها المصالح المالية بالسياسية. وفي ظل هذا النمط غير التقليدي، تفقد حالة “اللااستقرار” في الأسواق وظيفتها كعامل ردع، لتتحول إلى نبع يدر النفوذ والريع والصفقات المليارية لأقطاب السلطة.

وفي البعد العسكري البحت، يبدو أن القيادة الإيرانية قد بالغت في تقدير مفاعيل الردع الاستراتيجي لترسانتها الصاروخية أو أنها لم تستثمرها بالصورة المطلوبة. لا يختلف اثنان على أن القدرات الصاروخية الإيرانية تمثل قوة ضاربة حقيقية قادرة على إلحاق أذى بالغ، وتهديد القواعد العسكرية، وإثارة قلق حلفاء واشنطن الإقليميين، واستنزاف منظومات الدفاع الجوي، وفرض حالة من الحذر على صانع القرار المعادي. ولكن، باستثناء الضربة الموجعة التي استهدفت منشآت الغاز القطرية وما تلاها من تداعيات كبرى على أسواق الطاقة وحسابات الإقليم، فإن الضربات الصاروخية الإيرانية لم تنجح حتى الآن في فرض تلك “الكلفة الكارثية التي تجبر واشنطن على تغيير سلوكها، وهي الكلفة التي كان يُفترض أن تجبر واشنطن على التراجع أو إعادة النظر جذرياً في خيار الحرب. وعلى الرغم من استمرار الهجمات الإيرانية على إسرائيل وبعض دول الخليج، لم يخفف ترامب من وطأة التصعيد، بل خرج ليتوعد علانية بشن هجمات أكثر عنفاً وتدميراً. هذا التطور يكشف بوضوح عن الهوة العميقة بين “القدرة على توجيه الضربات” و”القدرة على إجبار العدو على تغيير سلوكه”؛ فالصواريخ قادرة بلا شك على خلق التكاليف، لكن عندما يكون الخصم متمتعاً بمرونة سياسية ونفسية استثنائية لتقبل الخسائر وتصعيد المواجهة وتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية، فإن الردع الصاروخي إن لم يستخدم ببراعة يفقد قدرته السحرية. وفي هذه الحالة، تتراجع مكانة الترسانة الصاروخية من كونها أداة حاسمة لوقف الحرب، لتصبح مجرد وسيلة تكتيكية لإدارة توازنات الرعب وتكاليف الصراع الجاري.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات