سودان تمورو
إن الصورة التي ينسجها بنيامين نتنياهو وجوقة حربه في مخيلتهم لمستقبل إيران، لا تتعدى كونها لوحة قاتمة للدمار الشامل؛ حيث تتلخص رؤيتهم في إبادة المراكز الصناعية وسحق المدنيين في مشهد يُعيد إلى الأذهان أطلال مدينة دريسدن الألمانية، بل إنهم لا يتورعون -إن لزم الأمر- عن التلويح بضربة نووية تعيد إنتاج مأساة اليابان. تتخطى هذه الأجندة مجرد إضعاف الخصم، لتشمل تدمير البنية التحتية وحصد أرواح الملايين على الطريقة التي شهدها العراق، وصولاً إلى تفكيك الدولة وتسليم مصيرها لأمراء الحرب كما هو الحال في ليبيا، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام التنظيمات السلفية المتطرفة لاستنساخ النموذج السوري. المحصلة النهائية لهذا السيناريو الكابوسي هي تحويل إيران إلى هضبة قاحلة، منزوعة الصناعة والبنية التحتية، فاقدة للدولة والأمن، ومجردة من أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
من المنظور الإسرائيلي الاستراتيجي، يرتبط البقاء في هذه المنطقة المضطربة شرطياً بالحفاظ على تفوق نوعي مطلق. وتُترجم هذه العقيدة إلى قاعدة صارمة: لا يُسمح لأي فاعل إقليمي، مهما كان، بامتلاك قدرات عسكرية أو صناعية أو سياسية تمكنه من خلق توازن قوى أو رفع كلفة الردع. وبناءً على ذلك، تحولت السياسة الإسرائيلية إلى نمط عملياتي ممنهج يهدف إلى إجهاض أي قدرات استراتيجية تتشكل في دول الجوار، والعمل على الاستنزاف التدريجي للدول المركزية والقوية عبر الضغوط، والحروب بالوكالة، والنزاعات المباشرة وغير المباشرة. في المقابل، تُبدي إسرائيل تسامحاً، بل وتفضيلاً جلياً، لبقاء دول ضعيفة وممزقة في محيطها، بوصفها كيانات هشة تفتقر إلى القدرة على تشكيل أي تهديد بنيوي لوجودها.
ولتحقيق هذه الغاية، تمكن هذا المحور من فرض هيمنة شبه طفيلية على مراكز صنع القرار في واشنطن؛ حيث يقبع الكونغرس فعلياً في قبضة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك”. وتتجلى هذه السطوة في الدعم المالي الهائل الذي قدمته شخصيات مثل ميريام أديلسون لإيصال ترامب إلى السلطة، بينما يتولى صهره جاريد كوشنر هندسة وإدارة المثلث الذي يجمع قيادات خليجية وإسرائيلية. يتزامن هذا الاختراق العميق مع وجود إدارة أميركية يقودها شخص نرجسي، يحمل في طياته إرثاً من الحقد الدفين تجاه إيران، وهو حقد تضرب جذوره في عمق الذاكرة الأميركية منذ أحداث عام 1979 وأزمة الرهائن الشهيرة.
لم أطرح هذه المقاربة التحليلية من باب التهويل، أو زرع الخوف، أو تكريس حالة من اليأس العبثي في المشهد الإقليمي؛ بل الغاية هي المصارحة والمكاشفة. فإذا كنا جادين كعرب ومراقبين في البحث عن مخرج سياسي حقيقي يحول دون الانزلاق نحو هذه الهاوية، فإنه يتحتم علينا أولاً أن نُشرح بصدق ودقة الأسباب العميقة التي أدت إلى انهيار المسارات الدبلوماسية السابقة، بدءاً من الاتفاق النووي وصولاً إلى التفاهمات الأخيرة المجهضة. فبدون وعي كامل بطبيعة العقلية التي تدير هذا الصراع والآليات التي توظفها، سيظل أي طرح سياسي جديد مجرد حرث في البحر، وتكراراً حتمياً لنفس دائرة الفشل.
