سودان تمورو:
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم منذ أسبوعين نحو المهلة التي حددها دونالد ترامب لضرب محطات توليد الكهرباء، ومع تصاعد وتيرة تصريحاته الحادة خلال اليومين الماضيين التي وضعت الجميع في حالة ترقب لقراره النهائي المرتقب، يُراد الإيحاء بأن الحرب لا تزال حبيسة طورها العسكري والأمني، وأن البنية التحتية لم تُمس بعد. غير أن الحقيقة الدائرة على الأرض تكشف واقعاً مغايراً؛ ففي غضون هذين الأسبوعين، وتحديداً منذ أواخر شهر مارس/آذار الماضي، دخلت الحرب فعلياً هذه المرحلة المدمرة.
وقد تجلى هذا التحول بوضوح مع قصف مصنعي الصلب الكبيرين في “مباركة” بأصفهان وخوزستان، حيث وُجهت الضربات بشكل مكثف نحو المنشآت الحيوية في مختلف القطاعات، مما آذن ببدء مرحلة جديدة من الهجمات المركزة ضد البنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية. وتحت غطاء هذه “المهلة” المزعومة، التي لا تعدو كونها خدعة استراتيجية، تحولت الهجمات اليومية على مقدرات البلاد الحيوية إلى أمر اعتيادي وروتيني. وفي هذا السياق، منح ترامب فعلياً نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تفويضاً مطلقاً لاستهداف هذه المرافق، لتشهد هذه الفترة ضرب سلسلة من أهم المنشآت الإيرانية وأكثرها شهرة على المستويين الإقليمي والدولي.
والناظر في خريطة الاستهداف يدرك أن إسرائيل تضرب تقريباً كل ما يحمل اسم إيران وسمعتها ومكانتها، وكل ما يُصنف تحت عناوين “الأهم” أو “الأقدم” أو “الأول” أو “الأكبر”. فقد طالت آلة التدمير أهم الصناعات الفولاذية، وأقدم مؤسسة صحية لإنتاج الأدوية في البلاد ممثلة في “معهد باستور”، مروراً بأطول جسر في الشرق الأوسط (جسر B1) في كرج، وصولاً إلى أهم مركز لليزر والبلازما وقطب الضوئيات في الشرق الأوسط بجامعة الشهيد بهشتي. ولم تسلم من ذلك كبرى الصناعات البتروكيماوية في عسلوية وماهشهر، ولا حتى البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي في ايران المتمثلة في المنصة الوطنية للذكاء الاصطناعي بجامعة شريف التكنولوجية.
ولا يقتصر التأثير الكارثي لاستهداف هذه المصانع والمنشآت على قطع أرزاق عشرات ومئات الآلاف من العاملين فيها فحسب، بل يمتد ليضرب الأهمية الاستراتيجية القصوى لحاضر البلاد ومستقبلها ولإجمالي عدد سكان إيران البالغ 90 مليون نسمة، حيث ستطال التبعات المدمرة لتوقف هذه المرافق حياة كل مواطن إيراني بلا استثناء. ورغم هذا المشهد المروع، لا يزال البعض يروج لأسطورة “الضربات الدقيقة” الإسرائيلية. وإذا كان القصد بالدقة هو الاستهداف المباشر والممنهج لكل ما يمت بصلة لهوية إيران ومستقبلها وسبل العيش فيها، فإنه يمكن القول بمرارة إن هذه “الدقة” تتحقق بالفعل على أرض الواقع.
إن هذا النمط من السلوك الاستراتيجي ليس جديداً على ترامب، فقد مارسه سابقاً في ملفات أخرى، لا سيما في غزة. فمن خلال تحديد المهل الزمنية الوهمية وتوجيه الأنظار نحو دبلوماسيته الصاخبة ومفاوضاته، كان يوفر غطاءً يمنح إسرائيل متسعاً من الوقت لارتكاب أبشع الجرائم. ويبدو جلياً أنه يتبنى المقاربة ذاتها اليوم تجاه إيران؛ فمن خلال إشغال الرأي العام بالدبلوماسية والإنذارات المتتالية، يشتري الوقت لتنفيذ ضربات قاصمة تستهدف الأعيان المدنية والبنى التحتية، مخلفة تداعيات ثقيلة وطويلة الأمد. بل إن التحركات الدبلوماسية ذاتها تستنسخ نفس الخطط والأساليب، بدءاً من مقترحات وقف إطلاق النار المؤقت التي تهدف أساساً إلى إعادة التموضع وتحديث بنك الأهداف.
وفي المحصلة، وبعد الانتهاء من تدمير هذه البنى التحتية، لن يكون مستبعداً أن يقدم في أي لحظة على استهداف محطات الكهرباء بهدف إحداث شلل شامل وواسع النطاق، لعل تدمير مقدرات إيران وحاضرها ومستقبلها يحقق أهدافاً عجزت الحرب العسكرية المباشرة عن إنجازها. وفي ظل هذه المعطيات، لا يُستبعد إطلاقاً أن يُعلن فجأة، في لحظة مفصلية ما، ومن طرف واحد ودون أي اتفاق مسبق، عن انتهاء الحرب، بعد أن تكون آلة الدمار قد أتت على الأخضر واليابس.
