سودان تمورو
حسناً.. وكما أسلفنا في الحلقة السابقة ، فلقد إستشعر الرئيس (ترمب) تحدياً كبيراً إزاء هزيمته أمام (بيكين) فيما يتعلق بحرب الرسوم الجمركية (Tariffs) الأمر الذي هدد خططه في السيطرة المطلقة على المجال السياسي الأمريكي وهو ما لن يتحقق إلّا بتركيع (Kneeling) التنين الصيني!!. إذن من هنا لم يعد من محرك لنشاط الرجل سوى تسجيل النقاط التي تمكّنه من تحقيق هذا الهدف بأي ثمن وقد إختار الرجل مضمارين إستراتيجيين لبلوغ ذلك.. كسر سلاسل إمداد (Supply chians) التكنولوجيا الفائقة (أهمها الرقائق الالكترونية) أمام السوق الصيني ، ثم ثانياً حرمانها من الطاقة الرخيصة مما سوف يرفع كلفة مدخلات النهضة الصينية المعتمدة على التصنيع (Manufacturing) وإقتصاد الصادر (Export—oriented economy) القطاعان اللذان وضعا (بيكين) في الصدارة وأهّلها لاستحاق لقب مصنع العالم (world factory) ، وذلك هو السبيل الوحيد لتشجيع المصنعين لنقل إستثماراتهم للولايات المتحدة مرة أخرى مثل Apple و ال (CAT) و وغيرهم من المصنعين ممن إنتقلوا بمصانعهم من الولايات المتحدة إلى الصين إبتداءاً من ثمانينيات القرن الماضي بسبب إستشراء موجات الركود التضخمي نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي بالولايات المتحدة الأمريكية. ثم توسع الإنتقال في التسعينات إلى بداية الألفينات بعد إنضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية (WTO) للإستفادة من مدخلات الإنتاج والأيدي العاملة الرخيصة هناك وبدفع من النفس الفكري النيوليبرالي وفقاعة العولمة (Globalisation ) ، وثمة دافع آيديولوجي هو جذب الصين للمعسكر الليبرالي!!.
بخصوص المضمار الأول -التحكم في سلاسل إمداد التكنولوجيا الفائقة- فالحرب في هذا المضمار لم تبدأ مع الرئيس ترمب فحسب بل هي معركة محتدمة منذ بروز الصين كقوة عظمى صاعدة (Emerging superpower) !!. فقد واصل الرئيس ترمب السياسات الرسمية لواشنطن المتمثلة في أن تكون الصين متخلفة بجيلين في مجال أشباه الموصلات التي تعد مخ الصناعةالحديثة وذلك عبر فرض حظر على حصول الصين على ماكينات الطباعة الحجرية فوق البنفسجية الفائقة (Extreme ultra-violet lithoghraphic machine) التي تصنّع الرقائق الالكترونية دون ١٤ نانو والتي لا تنتجها سوى الشركة الهولندية (ASML). بالطبع وبما أن هذه الماكينات تدخل فيها أجزاء (Hardware) وبرمجيات (Software) أمريكية فليس من مناص أمام (AMSL) الهولندية سوى الإنصياع لقرارات الحظر الأمريكية الصادرة من مكتب الاوفاك (OFAC). وبالطبع كذلك بما ان الشركات المصنعة للشرائح الفائقة (Foundries) جميعها ذات ارتباط بالولايات المتحدة الأمريكية مثل TSMC التايوانية و SAMSUNG الكورية الجنوبية وINTEL الأمريكية وكذلك شركات التصميم (FABLESS) وهذه الأخيرة جميعها أمريكية مثل إنفيديا وأبل كوالكوم وبرودكوم وAMD لذا فلقد تمكنت الولايات المتحدة في المرحلة من ٢٠١٦ – ٢٠٢٢ أن تخنق التنين الصيني فتسارعت التايكونات الأمريكية والمرتبطة بها من تجاوز المنتجات التكنولوجية الصينية خصوصاً منتجات أبل وإنفيديا وكذلك طفرة TSMC التايوانية ولكن منذ العام ٢٠٢٤م فصاعداً وإعتماداً على التطوير الذاتي للتكنولوجيا (Self-reliant technologies) إستطاعت الصين تجاوز هذه العتبة خصوصاً بعد إنتاجها للشرائح ٥ نانو التي أعادت أجهزة هواوي لمنافسة APPLE و SAMSUNG وإنتاجها شريحة الذكاء الاصطناعي (ASCEND 910) التي إستطاعت منافسة شرائح إنفيديا (Blackwell). إذن لقد إرتبكت المعركة التكنولوجية ضد الصين بقدرة هذه الأخيرة على تطوير القدرات الوطنية وخلق بدائل لموردين ومصنعين ومصممين للرقائق مثل (SMIC) و(Hisilicon) و(will semiconductor) كبدائل ل (TSMC) التايوانية و(Samsung)الكورية و(Intel) و(Nvidia) الأمريكيتين!!.
إذن بعد الفشل في الخنق التكنولوجي جاءت المغامرة الثانية في مضمار الصراع لمنع الدولة الصينية من الصعود والمنافسة كتفاً بكتف مع القوة العظمى التي قادت العالم لوحدها منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في بدايات تسعينات القرن الماضي. لقد كانت مغامرة حرمان الصين من الطاقة الرخيصة هي لعبة مغرية بالنسبة للرئيس ترمب إذ تحتاج ماكينة الإقتصاد الصيني ما يتجاوز قليلاً ١٦ مليون برميل/يوم من النفط ، تأتي منها ١١ مليون برميل/يوم من كل من العراق والسعودية والإمارات وسلطنة عمان والبرازيل وماليزيا وإندونيسيا وأنغولا إضافة للإنتاج المحلي الصيني من حقول سونغوا جيانغ-لياو والبالغ ٥.٣ مليون برميل يومياً (يضعها خامساً ضمن الأعلى إنتاجاً للنفط في العالم). المصادر المذكورة أعلاه مستقاة من أضابير مصلحة الإحصاء الصينية والتي لا تقول كل الحقيقة ، فهناك النفط الإيراني و الفنزويلي وبعض النفط الروسي الذي لا تجرؤ السلطات الصينية الاعتراف بتعاملها فيه نتيجة العقوبات أمريكياً على نفط هذه الدول.
فالصين تشتري يومياً ٢ مليون برميل من إيران و٤٠٠ الف برميل من فنزويلا وكلا البلدين يمنحان الصين نفطاً أرخص بكثير من اسعاره في السوق العالمي لانها المشتري الوحيد نتيجة العقوبات الإقتصادية على كلا البلدين وذلك إلى جانب النفط الروسي الذي يمنح لبيكين بنفس التخفيض نتيجة العقوبات أيضاً وهو ما يوازي أكثر من ١٧٪ من الإستهلاك الوطني الصيني. وهنا نلاحظ ومن جملة أكثر من ١٦ مليون مليون برميل/يوم وهو الإستهلاك اليومي للصين يُنتج ٥.٣ مليون برميل/يوم داخليا و٥.٥ مليون برميل/يوم من النفط الرخيص جدا الذي تتحصل عليه الصين من كل من روسيا وإيران وفنزويلا بفعل العقوبات الأمريكية التي تمنع دخوله السوق العالمي وهكذا كي لا تجد الصين نفسها مضطّرة سوى لشراء أقل من ثلث إحتياجاتها النفطية بالسعر العادل عالمياً.. ولكن كيف تتحايل الصين لضمان هذه الفوائد الضخمة!؟. ذلك ما سوف نسهب فيه في حلقتنا القادمة والأخيرة.. نواصل.
