سودان تمورو
لم يعد مستغرباً أن نشهد فصلاً جديداً من فصول العبث السياسي الذي تمارسه الإدارة الأمريكية في مياه الخليج، فإعلان “سنتكوم” الأخير عن نية واشنطن فرض محاصرة بحرية على الموانئ الإيرانية بدءاً من يوم 13 أبريل، ليس في جوهره إلا اعترافاً صريحاً بالانسداد الاستراتيجي الذي وصلت إليه الغطرسة العسكرية. إننا أمام مشهد مكرر؛ فالمحاصرة اليوم، تماماً كما كانت المفاوضات بالأمس، ليست إلا ذريعة لتغيير قواعد الاشتباك بعد أن غرزت الآلة العسكرية الأمريكية أقدامها في رمال الفشل، وأصبحت في أمسّ الحاجة إلى “غطاء” يمنحها فرصة لإعادة التموضع. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تدعي الرغبة في التهدئة، كانت تحاول التسلل ببارجاتها إلى مضيق هرمز، واليوم تعيد الكرة تحت لافتة “المحاصرة” لتقترب من السواحل الإيرانية، ظناً منها أن هذا التحرك قد يرمم صورتها التي تهشمت أمام واقع القوة الجديد.
إن السلوك السياسي الذي ينتهجه دونالد ترامب يفتقر إلى الحد الأدنى من النضج الاستراتيجي، إذ يبدو كطفل عنيد يرفض الاعتراف بالخسارة، فيلجأ إلى تكتيكات عسكرية طائشة لا تورث إلا هزائم أكبر. يبدو أن صانع القرار في البيت الأبيض يعيش حالة من “الانفصام الجيوسياسي”؛ فترامب الذي بدأ مشواره بهدف “تركيع إيران”، ثم انتقل إلى نغمة “تغيير النظام”، وصولاً إلى التهديد بـ “تدمير الحضارة الإيرانية”، يجد نفسه اليوم محاصراً بتناقضاته؛ فبعد أن كان هدفه المعلن “تأمين حرية الملاحة” في مضيق هرمز، انقلب ليصبح هو من يريد “إغلاقه” وفرض الحصار عليه. هذا التخبط لا يعكس قوة، بل يكشف عن عجز عميق في فهم العقيدة الدفاعية للطرف الآخر، فما تسميه واشنطن “محاصرة”، قد أعدت له طهران مسبقاً سيناريوهات “القتل العسكري” الجاهزة، حيث تتحول المياه التي تظنها البارجات الأمريكية ملاذاً لها إلى مقابر محققة بمجرد اقترابها لمسافة 1000 كيلومتر من السواحل.
والحقيقة التي يتجاهلها الإعلام الغربي هي أن هذه التحركات ليست سوى “بروباغندا” يائسة للظهور بمظهر المسيطر، بينما يدفع العالم أجمع أثماناً اقتصادية باهظة نتيجة هذه الحماقات. وبينما يتسلى ترامب بتصميم تكتيكات عسكرية على الورق، تسقط هيبة الولايات المتحدة ومصداقيتها الدولية في هاوية سحيقة؛ فالقوة التي تدعي حماية القانون الدولي هي نفسها التي تنتهك حرية التجارة العالمية اليوم بفرض حصار “عشوائي” يطال سفن كافة الدول. إن هذه المحاصرة الوهمية، التي تتمسح برداء “وقف إطلاق النار” أو “الهدنة”، ليست سوى محاولة أخيرة لانتزاع نصر إعلامي زائف، لكنها في الواقع تضع الأساطيل الأمريكية في مواجهة مباشرة مع حقيقة أنها لم تعد اللاعب الوحيد في هذه المياه، وأن سياسة “العصا الغليظة” قد انكسرت أمام جدار الاستعدادات التي استوعبت كل السيناريوهات الأمريكية مسبقاً.
في نهاية المطاف، يبدو أن واشنطن لم تتعلم من دروس التاريخ القريب؛ فالحصار لا يكسر إرادة الدول التي تملك زمام قوتها الذاتية، بل يحاصر صاحبه في زاوية الضيق الأخلاقي والسياسي. إن ما يحدث اليوم في بحر عمان والخليج ليس مناورة عسكرية بقدر ما هو صرخة عجز لإمبراطورية تتآكل هيبتها يوماً بعد يوم، وتكتشف متأخرة أن مياه “هرمز” لا تقبل القسمة على أوهام الهيمنة، وأن كل شبر تقتربه تلك السفن من السواحل المحرمة، ليس إلا خطوة إضافية نحو فخ استراتيجي لم تحسب واشنطن عواقبه بدقة.
