الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف خطفت إسلام آباد دور الوسيط التاريخي بين واشنطن وطهران؟.. بقلم أماني...

كيف خطفت إسلام آباد دور الوسيط التاريخي بين واشنطن وطهران؟.. بقلم أماني عبدالرحمن

سودان تمورو

في خضم الاستقطاب الحاد الذي يشهده الشرق الأوسط، ومع احتدام “حرب رمضان” التي وضعت واشنطن وطهران على حافة مواجهة شاملة، بدت الساحة الدولية وكأنها تفتقر إلى صانع سلام قادر على فك شيفرة هذا النزاع المعقد. فروسيا، الغارقة في وحل حربها الأوكرانية، لم تكن في وارد لعب أي دور دبلوماسي موازن، في حين أن الصين، رغم ثقلها، نُظر إليها في أروقة واشنطن بعين الريبة لتقاطع مصالحها العميقة مع إيران. ومع استبعاد دول الخليج لكونها في قلب معادلة الصراع، ووقوف تركيا عند حدود الافتقار إلى قنوات تواصل استثنائية ومباشرة مع الإدارة الأمريكية الجديدة رغم رصيدها في أزمة غزة، برزت باكستان فجأة كـ “الرقم الصعب” والوسيط الوحيد الذي يمتلك مفاتيح الأبواب المغلقة في كل من البيت الأبيض وطهران، في هندسة دبلوماسية قلبت الكثير من الموازين الإقليمية.

لم يكن هذا الصعود الباكستاني إلى واجهة الأحداث وليد الصدفة، بل هو ثمرة استراتيجية استباقية محكمة بدأتها إسلام آباد فور عودة دونالد ترامب إلى سدة الحكم في يناير 2025. فقد التقط رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اللحظة السياسية بذكاء، ليكون من أوائل القادة الذين انخرطوا في مبادرة “هيئة السلام” التي طرحها ترامب، في وقت كانت فيه العواصم الغربية لا تزال تتلمس طريقها للتعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة. لكن كلمة السر الحقيقية في هذا الاختراق الدبلوماسي تجسدت في العلاقة الاستثنائية التي هندسها قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، مع الرئيس الأمريكي. فاللقاءات المتعددة التي جمعت الرجلين خلال عام 2025$ أسفرت عن كيمياء شخصية دفعت ترامب لوصف منير بـ “المحارب العظيم” و”الإنسان الاستثنائي”، مبدياً ثقة عميقة في قدرة باكستان على فهم العقلية الإيرانية. هذه الثقة تُرجمت عملياً في ليلة 6 أبريل، حين أدار منير مفاوضات ماراثونية امتدت حتى الفجر، متنقلاً عبر خطوط الاتصال بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف من جهة، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقچی من جهة أخرى، لبلورة ملامح التهدئة.

في المقابل، لم تكن طهران أقل ارتياحاً للدور الباكستاني، انطلاقاً من قراءة جيوسياسية براغماتية بحتة؛ فالقيادة الإيرانية تدرك تماماً أن القيود الهيكلية والضغوط الجغرافية التي تكبل إسلام آباد تمنعها من الانزلاق لتصبح مجرد أداة طيعة في يد السياسة الأمريكية. ومع ذلك، فإن المهمة الملقاة على عاتق باكستان تبدو كالسير في حقل ألغام، نظراً للهوة السحيقة بين سقف مطالب الطرفين. ففي حين يضع ترامب مسألة تحجيم وتفكيك المخزون النووي الإيراني كشرط جوهري لأي تسوية، تتمسك طهران بإطار النقاط الـ 10 الذي يطالب بانتزاع اعتراف أمريكي صريح بحقها في التخصيب، مقترناً بشروط قاسية تشمل الانسحاب العسكري الأمريكي من القواعد الإقليمية، والرفع الشامل للعقوبات، وتحرير الأصول المجمدة، بل ودفع تعويضات حرب. وهنا يتجلى العبء الدبلوماسي الباكستاني في قدرتها على تحمل التكلفة السياسية لنقل الرسائل المتبادلة والبالغة القسوة بين عاصمتين لا تعرفان التراجع.

لكن الدافع الحقيقي الذي يجعل باكستان تستميت في إنجاح هذه الوساطة يتجاوز الرغبة في تسجيل نقاط دبلوماسية، ليصل إلى حدود الحفاظ على الأمن القومي والاقتصادي للبلاد. فباكستان، التي تعاني من هشاشة مزمنة في مؤشرات اقتصادها الكلي، تنظر برعب إلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية. وبوصفها دولة تعتمد بشكل شبه كلي على استيراد موارد الطاقة، فإن أي انقطاع أو اضطراب طويل الأمد في إمدادات النفط عبر المضيق سيترجم فوراً إلى أزمة طاحنة في فاتورة الواردات، ما يهدد بانهيار اقتصادي لا تملك إسلام آباد ترف تحمل تبعاته في هذا التوقيت الحساس.

وبعيداً عما ستؤول إليه جولات التفاوض على المدى القريب، يمكن القول بثقة إن باكستان قد حققت بالفعل انتصاراً استراتيجياً مدوياً. فلسنوات طوال، استثمرت الهند جهوداً دبلوماسية هائلة لشيطنة جارتها النووية ومحاولة عزلها دولياً، وتصويرها كدولة راعية للإرهاب العابر للحدود ومصدر لعدم الاستقرار الإقليمي. إلا أن مشهد استضافة إسلام آباد لمحادثات مفصلية بين القوة العظمى الأولى في العالم وواحدة من أهم القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، قد نسف السردية الهندية من جذورها. لقد أثبتت الدبلوماسية الباكستانية، التي تحلت بصبر استراتيجي بالغ، أن الجغرافيا السياسية لا تعترف إلا بمن يمتلك القدرة على ملء الفراغات في اللحظات الحرجة، لتنتزع إسلام آباد بجدارة مكانة صانع السلام الموثوق في أصعب أزمات القرن الحالي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات