الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيوهم التهدئة!.. بقلم أسامة ياسين

وهم التهدئة!.. بقلم أسامة ياسين

سودان تمورو

في خضم الحديث المتصاعد عن احتمالات التهدئة أو وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن كخيار لنزع فتيل الأزمات المشتعلة في المنطقة، يبدو لزاماً علينا قراءة المشهد بعيداً عن السطح الدبلوماسي الخادع، والغوص في التداعيات الجيوسياسية العميقة لهذا المسار. إن أحد أهم الأبعاد الغائبة عن الطرح السائد هو التأثير المباشر لهذه التهدئة على المعادلات الميدانية في لبنان، وبشكل خاص على تموضع إسرائيل في مواجهة حزب الله.

للوهلة الأولى، قد يُحتفى بأي هدنة باعتبارها طوق نجاة يعيد الاستقرار النسبي للمنطقة ويخفف من وطأة المعاناة، لكنها في الميزان الاستراتيجي قد تعمل كمحفز يصب في المصلحة الإسرائيلية الخالصة. فبمجرد انحسار سحابة التوتر المباشر على الخطوط العريضة، ستسقط عن كاهل تل أبيب أعباء ضغوط دولية وإقليمية هائلة، مما يمنحها رفاهية التفرغ التام لجبهاتها الملاصقة، وعلى رأسها الساحة اللبنانية. في سيناريو كهذا، سيجد جيش الاحتلال متسعاً من الوقت لترتيب أوراقه وحشد قواته بأريحية على الحدود الشمالية، تمهيداً لشن عمليات برية، سواء كانت محدودة أو واسعة النطاق، في الجنوب اللبناني. الهدف هنا واضح؛ استنساخ تجارب العقود الماضية عبر “تطهير” المناطق الحدودية وخلق حزام أمني يفرضه واقع القوة والنار.

في مواجهة هذا الخطر الاستراتيجي، طالما ارتكزت عقيدة “محور المقاومة” على مبدأ “وحدة الساحات”، وهو تكتيك يقوم على تلازم المسارات بحيث يُقابل أي تصعيد في جبهة برد متزامن أو متتابع من جبهات أخرى. هذا النهج هو ما أبقى إسرائيل في حالة دائمة من الإرباك الاستراتيجي، مجبرةً على تشتيت مواردها وانتباهها ومقدراتها بين غزة والضفة الغربية وصولاً إلى ساحات الإسناد الأبعد. غير أن اقتصار التهدئة على المستويات الكبرى، وعزل مسار واشنطن-طهران عن باقي الملفات، من شأنه أن ينسف هذا المنطق من جذوره ويضعفه بشكل غير مسبوق.

من هذه الزاوية بالتحديد، يبدو الانخراط في مسار تهدئة مجتزأ دون التدقيق في ارتداداته غير المباشرة بمنزلة “فخ استراتيجي” محكم. فخفض التصعيد في المشهد الكلي سيُترجم فوراً إلى ضغط عسكري وميداني خانق على الساحة اللبنانية. وحينها، ستستغل إسرائيل تفوقها الجوي والاستخباراتي لتوجيه ضربات أكثر فتكاً للبنية التحتية، متزامنة مع خنق مالي واقتصادي وسياسي يضع مؤسسات الدولة اللبنانية الهشة أصلاً في الزاوية. إن الضحية الأبرز لهذا المسار سيكون لبنان، البلد الذي يئن تحت وطأة أزمات هيكلية مركبة، حيث سيؤدي أي تصعيد أو استنزاف جنوبي إلى تسريع وتيرة تآكل الدولة بأكملها، ووضع بنيتها في مهب الريح.

إن قراءة متأنية للتاريخ المعقد لصراعات الشرق الأوسط تؤكد أن اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تبدو في ظاهرها خطوات لخفض التوتر، غالباً ما تنتهي بإعادة توزيع هذا التوتر جغرافياً، لتتحمل الساحات الأضعف العبء الأكبر. ولا يمكن لأي تهدئة أن تكتسب فاعليتها إلا إذا صيغت ضمن إطار أمن جماعي متكامل ومظلة ضمانات متبادلة، بعيداً عن حسابات المصالح التكتيكية قصيرة الأمد. فالأزمة الحالية تفرز مؤشرات خطيرة لا يمكن تجاهلها؛ أولها أن ترك حزب الله كمركز ثقل إقليمي وحيداً في المعركة سيفضي حتماً إلى تآكل قوة المحور بأكمله الممتد من العراق إلى فلسطين.

ثانياً، لقد أثبتت المنهجية الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو مراراً أن التخلص من جبهة لا يعني سوى الاستدارة الفورية لافتراس جبهة أخرى، وهو ما ينعكس بوضوح في الرغبة الجامحة لترجمة أي هدوء إقليمي إلى اجتياح بري في لبنان. وما يزيد المشهد قتامة هو المساعي الأمريكية الحثيثة لفصل الملف اللبناني كلياً، وجعله ورقة مساومة منفصلة تُهندَس في أروقة واشنطن ومكاتب مسؤوليها – على غرار التحركات في مكتب ماركو روبيو – بغية فرض تسوية استسلامية على بيروت تُشارك فيها أطراف إسرائيلية. إن الهدف النهائي الذي يلوح في أفق ملف “التهدئة” المطبوخ في واشنطن هو نزع سلاح المقاومة في لبنان بالكامل، وإخراجه نهائياً من معادلة الصراع، تماماً كما جرى مع ساحات عربية أخرى في العقود الماضية، تمهيداً لتفكيك طوق النار المحيط بإسرائيل، حلقة تلو أخرى، دون إطلاق رصاصة واحدة في مواجهة شاملة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات