سودان تمورو
في تصريح يكشف بوضوح عن عمق الأزمة المعرفية التي تعاني منها النخبة السياسية في واشنطن، خرج نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بتصريح زعم فيه أنه جلس وجهاً لوجه أمام “الشخص الذي يدير إيران فعلياً”، معتبراً أن حدثاً كهذا لم يسبق له مثيل، وملمحاً إلى أن هذا “الشخص” كان راغباً في التوصل إلى اتفاق. هذا التصريح، الذي تفوح منه رائحة الاستعلاء مصحوباً بجهل مركب، لا يمثل مجرد زلة لسان سياسية، بل يلخص أزمة العقل الاستراتيجي الأميركي في فهم آليات صنع القرار لدى خصومه، وتحديداً في طهران.
في المخيلة السياسية لهذه النخبة، تتلخص السلطة في صورتها الأكثر بدائية: “الرجل الأوحد”. إنهم يسقطون نمطهم الخاص في الحكم على الآخرين، حيث يعتقدون أن السلطة تعني احتكار فرد واحد لكل أدوات الفعل والتأثير؛ رئيس يمكنه بجرة قلم أن يشعل حرباً، أو يفرض عقوبات اقتصادية طاحنة، أو حتى يتدخل لتغيير مسار العدالة والقضايا الجنائية لخدمة مصالحه الشخصية، تماماً كما فعل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن حين استخدم صلاحياته للعفو عن نجله في تحدٍ صارخ للقضاء. هذا النمط، الذي يغلف دكتاتورية مقنعة بغطاء ديمقراطي هش، هو العدسة المشوهة التي تنظر من خلالها واشنطن إلى إيران.
بيد أن القراءة الفاحصة لبنية السلطة في إيران تكشف عن واقع مغاير تماماً لما يدور في أروقة البيت الأبيض. إن هيكل القوة هناك ليس خطياً أو فردياً، بل هو منظومة “شبكية” بالغة التعقيد والتشابك. إنها تركيبة فريدة تتداخل فيها الشرعية الشعبية مع المؤسسات السيادية والتنفيذية، وتستند إلى عمود فقري أيديولوجي يتمثل في مؤسسة القيادة العليا. لا يوجد في طهران قرار استراتيجي واحد، خاصة في القضايا المصيرية كالحرب والسلام أو الاتفاقيات الكبرى، يمكن أن يُتخذ خارج هذه المنظومة التوافقية لصنع القرار.
إن المرشد، ومؤسسة الرئاسة، والبرلمان، والأجهزة الأمنية والعسكرية، وصولاً إلى الرأي العام الإيراني، كلها دوائر متداخلة تعمل داخل حقل واحد من التأثير المتبادل. وهذا يعني، في لغة السياسة، أن أي قرار يخرج من طهران هو بالضرورة نتاج “إرادة جمعية” وتوازنات دقيقة بين مؤسسات راسخة، وليس محض رغبة لحظية أو نزوة فردية لحاكم مطلق.
ومكمن الخلل الاستراتيجي لدى فانس وأمثاله من صقور الإدارة الأميركية، يتلخص في بحثهم المحموم عن “الزر السحري”؛ إنهم يعتقدون واهمين أن هناك زراً واحداً يكفي الضغط عليه لتغيير مسار الدولة الإيرانية وتطويع إرادتها. يتجاهلون، أو لعلهم يجهلون، أن إيران تعمل وفق منطق “النظام والمؤسسة”، وليس وفق منطق “الزر” الذي يميّز النظم الدكتاتورية التي اعتادت أميركا وأوروبا على رعايتها والتعامل معها.
هذا الجهل البنيوي بطبيعة الخصم هو التفسير الأبرز لسلسلة الإخفاقات الأميركية المتكررة في مفاوضاتها مع طهران. لقد توهموا مراراً وتكراراً أن الجلوس مع مسؤول بعينه، وانتزاع تنازلات منه، يعني أن اللعبة قد انتهت وحُسم الأمر لصالحهم، ليكتشفوا لاحقاً أنهم كانوا يفاوضون جزءاً من شبكة، لا الشبكة بأكملها.
وفي نهاية المطاف، تقودنا هذه المعادلة إلى حقيقة بديهية في علم السياسة: عندما تفشل في فهم البنية الحقيقية لخصمك، فإنك حتماً ستخطئ في اختيار أدوات الضغط المناسبة. النتيجة الطبيعية لهذا العمى الاستراتيجي هي ما نراه اليوم من لجوء أعمى لسياسات العقوبات، والاغتيالات، والتلويح بالحروب، لتدفع واشنطن أثماناً باهظة وتتكبد تكاليف سياسية ومادية هائلة، دون أن تحصد سوى السراب، ودون أن تقترب خطوة واحدة من كسر إرادة نظام لا يُدار بـ “زر” في مكتب رئيس.
