سودان تمورو
في أروقة الاستخبارات الإسرائيلية التي لا تزال تتخبط في تداعيات زلزال السابع من أكتوبر، نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد مخاض عسير استمر لأكثر من 4 أشهر، في تمرير مرشحه المثير للجدل، اللواء رومان غوفمان، ليعتلي قمة هرم جهاز الموساد. مصادقة اللجنة العليا للتعيينات في إسرائيل على هذا الاختيار تفتح الباب أمام غوفمان لتولي رئاسة أحد أخطر الأجهزة الأمنية في العالم لمدة 5 سنوات مقبلة، بدءاً من مطلع يونيو القادم، في خطوة تعكس إصرار نتنياهو على إعادة هندسة المنظومة الأمنية برجال يدينون له بالولاء المطلق، وسط عاصفة من الانتقادات الداخلية وحرب إقليمية لا تزال رحاها تدور.
الاحتفاء المبالغ فيه من قِبل نتنياهو بتوقيع مرسوم التعيين، ووصفه لغوفمان بـ”الضابط الجريء والمبدع الذي أظهر حنكة تكتيكية استثنائية”، لا يمكن قراءته بمعزل عن السيرة الذاتية المعقدة لهذا الرجل. وُلد غوفمان في بيلاروسيا عام 1976، وهاجر إلى إسرائيل في سن الـ 14 على وقع انهيار الاتحاد السوفياتي. مسيرته العسكرية التي بدأت في سن الـ 19، تدرجت بين مناصب حساسة شملت الاستخبارات العسكرية وقيادة فرق وألوية متعددة، وصولاً إلى إصابته البالغة في ركبته خلال اشتباكات “طوفان الأقصى”، وانتهاءً بملازمته لنتنياهو كسكرتير عسكري خلال العامين الماضيين؛ وهي الملازمة التي صقلت هذا التحالف الوثيق بينهما.
يُروّج الداعمون لهذا التعيين، وفي مقدمتهم الدائرة الضيقة لنتنياهو، بأن غوفمان يمتلك استقلالية فكرية ومنهجية قادرة على تفكيك وإصلاح الهياكل الأمنية “المعطوبة” التي سمحت بحدوث اختراق السابع من أكتوبر.
استراتيجياً، يتبنى غوفمان عقيدة “المعركة بين الحروب”، وهي رؤية تعتمد على توجيه ضربات أمنية واستخباراتية استباقية لسحق قدرات الخصوم قبل أن يمتلكوا زمام المبادرة لشن أي هجوم، وهو ما يتماشى تماماً مع الرغبة الإسرائيلية الحالية في استعادة قوة الردع المفقودة بأي ثمن.
لكن خلف هذه الصورة التي يرسمها نتنياهو لمرشحه المفضل، يختبئ سجل أسود من التجاوزات التي تثير ذعراً داخل المؤسسة الأمنية ذاتها. فخلال قيادته للواء “عتصيون”، أقدم غوفمان على تجنيد جواسيس فلسطينيين دون أدنى تنسيق مع رؤسائه. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فبعد 3 سنوات، تورط في فضيحة مدوية حين أدار عملية أمنية غير مصرح بها، استغل خلالها شاباً يبلغ من العمر 17 عاماً لتسريب معلومات سرية عبر منصات التواصل الاجتماعي. وعندما انكشف الأمر واعتُقل الشاب، تنصل غوفمان تماماً من مسؤوليته، تاركاً مرؤوسيه يواجهون مصيرهم وحدهم؛ مما رسخ صورته كقائد يفتقر للنزاهة الأخلاقية ومستعد للتضحية برجاله لحماية مستقبله المهني.
هذا السجل الملطخ دفع شخصيات وازنة، على رأسها الرئيس الحالي للموساد ديفيد بارنيا، لمعارضة هذا التعيين بشراسة، محذرين من العواقب الكارثية لتسليم جهاز بهذا الحجم لشخصية متهمة بإساءة استخدام السلطة وانعدام الكفاءة الأخلاقية. واليوم، تقف المحكمة العليا الإسرائيلية أمام اختبار حقيقي بعد أن قدم الشاب، الذي استغله غوفمان سابقاً، التماساً لوقف هذا التعيين. وبين إصرار نتنياهو على تطويع المؤسسات الأمنية لخدمة بقائه السياسي، والفضائح التي تلاحق رجل مهامه الجديد، يبقى التساؤل المفتوح: هل ينجو غوفمان من مقصلة القضاء ليكمل مسيرة الهيمنة “النتنياهوية”، أم أن ارتدادات أخطائه القديمة ستطيح به قبل أن يطأ عتبة الموساد؟
