الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيخرافة الرعب الذري التي يروج لها نتنياهو!.. بقلم يوسف سليم

خرافة الرعب الذري التي يروج لها نتنياهو!.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

يسود في الأوساط السياسية الغربية، وبدفع محموم من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ترويج ممنهج لتصور مبالغ فيه يرى في مجرد تخصيب طهران لليورانيوم والاحتفاظ بالمواد الانشطارية دليلاً قاطعاً على تحولها إلى قوة نووية داهمة. وعلى مدى العقدين الماضيين، استثمر الخصوم في تضخيم هذا الانطباع لرسم صورة “الغول النووي الإيراني”، موحين بأن اقتراب طهران من العتبة التكنولوجية يجعلها تهديداً ذرياً يوجب التحرك الفوري. لكن القراءة المتأنية للواقع الاستراتيجي تكشف بوضوح أن هذا التهويل يفتقر إلى الأسس العلمية والعسكرية؛ فإيران، وفقاً للمعايير الاستراتيجية الصارمة، لا تُصنف كدولة نووية، ولا يشكل برنامجها بصيغته الحالية ذلك التهديد الوجودي الذي تحاول ماكينة الدعاية الإسرائيلية تسييله في ساحات التحشيد الدولي، كما أنه في الوقت ذاته لا يوفر لطهران أي رصيد حقيقي للردع في مواجهة أعدائها.

وتؤكد أبجديات العلوم العسكرية أن التحول إلى دولة نووية، قادرة على فرض معادلة رعب حقيقية، يتجاوز بأشواط مرحلة امتلاك المعرفة الفنية أو تكديس المواد الانشطارية في أجهزة الطرد المركزي كما تروج السردية الإسرائيلية، بل يشترط بالضرورة امتلاك سلاح حقيقي ومُختبر وقابل للاستخدام الفوري. وحتى هذه اللحظة، لم تقطع طهران المسار التقني المعقد نحو التسلح الفعلي، ولم تُجرِ أي تجربة تفجير نووي تثبت امتلاكها للقنبلة. وفي غياب سلاح مُصنع ومُجرب، ينتفي تماماً وصف الدولة بالنووية، وتتلاشى معه فكرة “التهديد الذري” المزعوم؛ فالدوائر الاستخباراتية والعسكرية لدى الخصوم تدرك يقيناً أن المواد الخام غير المجهزة عسكرياً لا تشكل خطراً عملياتياً على الأرض، وأن هذا التهديد الكامن يظل في جوهره مجرد ورقة ضغط سياسي، وليس قوة نيرانية ساحقة كما يُراد للعالم أن يصدق.

ولعل المعضلة الأكبر التي تفضح زيف الدعاية القائلة بوجود تهديد نووي إيراني وشيك، تتجاوز مسألة الرأس الحربي المفقود لتصل إلى الغياب التام للبنية التحتية العملياتية التي تميز الدول النووية الحقيقية. فالقوى التي تشكل تهديداً ذرياً فعلياً تمتلك أنظمة فائقة التعقيد للقيادة والسيطرة والاتصالات النووية، وهي الأنظمة التي تضمن اتخاذ القرار وتنفيذ الهجوم بانضباط وموثوقية في أحلك الأزمات. وفي الحالة الإيرانية، تنعدم هذه البنية التحتية المتخصصة كلياً، وتغيب العقيدة العسكرية الواضحة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن الافتقار لهيكلية قيادة مؤهلة ومجربة لإدارة حرب من هذا النوع. هذا الفراغ الهيكلي يسقط وصف “القدرة النووية” عن طهران، ويجعل من ترسانتها المحتملة مشروعاً غير قابل للتوظيف الاستراتيجي، مما يؤكد أن ماكينة التخويف الإسرائيلية تتعمد الخلط بين البرنامج المدني المتقدم والمنظومة العسكرية الجاهزة.

وفي سياق الحسابات الاستراتيجية الدولية، لا تتعامل مراكز صنع القرار الكبرى مع أي طرف كتهديد نووي حقيقي إلا إذا توافرت فيه شروط القدرة الفنية المكتملة وموثوقية الرد. وبناءً على ذلك، فإن تكديس اليورانيوم المخصب لا يجعل من إيران دولة نووية ولا يضعها في مصاف التهديدات الذرية الفعلية، بل يُوظف هذا التكديس من قبل الخصوم كـ”فزاعة” لتعظيم مكاسبهم الجيوسياسية والعسكرية. والمفارقة الأخطر في هذه المعادلة هي أن هذا التهويل الإسرائيلي لبرنامج لا يمتلك مقومات الردع الحقيقي، يخلق وضعاً شديد الخطورة؛ فهو من جهة يجرّد طهران من أي حماية فعلية لكون سلاحها غير مكتمل، ومن جهة أخرى يمنح نتنياهو وحلفاءه ذريعة جاهزة ونافذة فرص تبرر توجيه ضربات استباقية لإنهاء هذا المشروع، تحت غطاء درء خطر نووي هو في واقعه أقرب إلى الخرافة منه إلى الحقيقة العسكرية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات