سودان تمورو
لم يكن تذمر دونالد ترامب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وليد اللحظة الراهنة، بل هو امتداد لعقيدة سياسية راسخة لديه؛ فلطالما رمى هذا التحالف العسكري بأسوأ النعوت، واصفاً إياه حتى قبل اندلاع حروب العقد الأخير بأنه كيان “كارثي وعفا عليه الزمن”. ورغم أن هذه النظرة تبدو مفهومة تماماً في السياق البراغماتي لسياسة “أميركا أولاً” التي يتبناها، إلا أن ولايته الرئاسية الثانية حملت معها نهجاً أكثر صرامة ووضوحاً، مما وضع العواصم الأوروبية تحت ضغط غير مسبوق وجعلها تستشعر خطراً وجودياً يهدد مظلتها الأمنية التاريخية.
في هذه المرحلة، لم يكتفِ سيد البيت الأبيض بتهميش الهواجس الأمنية الأوروبية العميقة، وتحديداً تلك المتعلقة بالتهديدات القادمة من روسيا، بل إن بعض خطواته وإجراءاته الميدانية أدت إلى رفع منسوب التوتر مع الحلفاء التقليديين في القارة العجوز. وما زاد الطين بلة، أن الدعم الأميركي المبطن أو الصريح لبعض تيارات اليمين المتصاعد في أوروبا، لم يُقرأ في أروقة صنع القرار الأوروبي سوى باعتباره تدخلاً فجاً في الشؤون الداخلية، ومحاولة لتغيير قواعد اللعبة السياسية، وهو ما أسفر عن تآكل حاد في منسوب الثقة، الذي يُعد الركن الأساسي لأي تحالف عسكري.
وجاءت الحرب في إيران لتكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر التوافق الأطلسي، وسرّعت من وتيرة هذا التصدع بشكل دراماتيكي. فقد وجدت أوروبا نفسها تقف على هامش الأحداث، مُبعدةً تماماً عن دوائر صنع القرار في واشنطن، ومُتجاهَلةً في اعتباراتها الأمنية والاقتصادية الحساسة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار الشرق الأوسط. هذا التهميش المتعمد ولّد قناعة راسخة لدى الأوروبيين بأن الانجرار خلف الرؤية الأميركية في هذا الصراع ليس خياراً إلزامياً، بل إنه لم يعد خياراً مرغوباً فيه من الأساس، نظراً لتضارب المصالح الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي.
ومع ذلك، يدرك ترامب وفريقه أن تفكيك التحالف أو انسحاب الولايات المتحدة رسمياً من حلف الناتو دونه عقبات قانونية معقدة، إذ يتطلب الأمر إجماعاً داخلياً وموافقة من الكونغرس، وهو سيناريو يبدو بعيد المنال في ظل التجاذبات السياسية الراهنة. لكن هذا المأزق القانوني لم يقف حائلاً أمام الإدارة الأميركية التي لجات إلى استراتيجية بديلة وأكثر دهاءً؛ تتمثل في تفريغ التحالف من مضمونه عبر سلاح الابتزاز المالي، وإعادة صياغة الالتزامات الأمنية بشكل أحادي، وتقليص التواجد العسكري الأميركي، وهي أدوات أثبتت فعاليتها في ضرب التماسك الداخلي للناتو في مقتل.
في مواجهة هذه السياسة الأميركية الخشنة، لم تجد أوروبا مناصاً من تغيير بوصلتها والتحرك بجدية نحو تعزيز استقلاليتها الدفاعية وتقليص ارتهانها المزمن للمظلة الأمنية الأميركية. وبناءً على هذه المعطيات، يمكن القول إن الهيكل التنظيمي لحلف الناتو سيظل قائماً على الورق، ولن ينهار بين ليلة وضحاها، غير أن روحه وتماسكه الداخلي باتا يئنّان تحت وطأة الشرخ الآخذ في الاتساع بين واشنطن وبروكسل، وهو شرخ يهدد بتحويل أقوى تحالف عسكري في التاريخ الحديث إلى مجرد صدفة فارغة.
