السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تُهندس واشنطن وتل أبيب فخ الاستفراد في الحرب القادمة؟.. بقلم احمد...

كيف تُهندس واشنطن وتل أبيب فخ الاستفراد في الحرب القادمة؟.. بقلم احمد موسى

سودان تمور

إذا ما اكتفينا بالقراءة السطحية لمشهد وقف إطلاق النار في لبنان، فإننا نقع طواعية في شباك السردية التي حاكتها غرف العمليات النفسية الأمريكية والمنصات الإعلامية الغربية. لكن بمجرد إزاحة القشرة الرقيقة عن هذا المشهد، تتجلى أمامنا صورة مغايرة تماماً؛ فالحقيقة الراسخة أن هذه الهدنة لم تكن يوماً نتاج عبقرية دبلوماسية أو منحة تفاوضية، بل كانت انعكاساً لاضطرار ميداني فُرض بقوة السلاح. فكل الضغوط السياسية التي مورست قبل المفاوضات وبعدها لم تكن لتعني شيئاً لولا الجدار الميداني الصلب الذي بُني على الأرض، والذي جعل من استمرار المعركة خياراً مكلفاً لا تطيقه تل أبيب.

يحاول الرئيس الأمريكي وفريق صناعة الرواية في الكيان الصهيوني تسويق المشهد على أنه انتصار للمبادرات السياسية القادمة من واشنطن، وتنسيق محكم بين تل أبيب وبيروت. والهدف من هذا التسويق مكشوف: شطب تضحيات المقاومة من معادلة الردع وإلغاء دورها. والسؤال الذي يفضح هذه السردية يطرح نفسه بقوة: إذا كانت الدبلوماسية وحدها قادرة على اجتراح المعجزات، فلماذا عجزت الدولة اللبنانية عن إرساء هذا الوقف لإطلاق النار طيلة الأشهر الماضية؟ الإجابة ببساطة تكمن في انقلاب موازين القوى، فالمحتل لا يتراجع إلا عندما تصبح فاتورة الاستنزاف باهظة، لكنه في الوقت ذاته أذكى من أن يعترف بالتراجع تحت وطأة النيران، فيلجأ إلى “التعليب السياسي”.

هنا تحديداً تدخل الدبلوماسية لتلعب دور “مساحيق التجميل”، حيث يُعرض وقف إطلاق النار، الذي هو في جوهره خضوع للواقع الميداني، في قالب “اتفاق سيادي” مع الدولة اللبنانية. هذه المناورة الأمريكية-الإسرائيلية تضرب عصفورين بحجر واحد: الأول هو إدارة الرأي العام الداخلي ومنع ترسيخ صورة الهزيمة والانكسار في الوعي الإسرائيلي، والثاني هو دق إسفين في الداخل اللبناني عبر تلميع دور المؤسسات الرسمية في مقابل محاولة تهميش وتخفيت وهج المقاومة. إنها “حرب السرديات” التي تتجاوز في خطورتها وأهميتها أحياناً دوي المدافع على خطوط التماس.

غير أن التحليل الأعمق يأخذنا إلى مربع أكثر خطورة؛ فالهدنة في القاموس الاستراتيجي ليست مجرد إسكات مؤقت للبنادق، بل هي في كثير من الأحيان هندسة خبيثة للمعركة القادمة. لقد أثبتت المواجهة الأخيرة أن جبهة لبنان لم تكن مجرد جبهة إسناد تقليدية، بل تحولت إلى “مضاعف قوة هجومي ودفاعي” للمحور ككل، وتحديداً في اللحظات التي كانت فيها طهران تحت مرمى الاستهداف المباشر. التدخل اللبناني أدى إلى توسيع رقعة الاشتباك، ورفع الكلفة، ومنع الآلة العسكرية الإسرائيلية من الاستفراد بجبهة واحدة أو التركيز الكلي على ضرب العمق الإيراني، مما أبقى زمام المبادرة حياً وفعالاً.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يحدد ملامح المرحلة المقبلة: هل كان العدو يلهث وراء وقف إطلاق النار في لبنان لمجرد التقاط الأنفاس، أم أن الهدف الاستراتيجي هو “تحييد” جبهة لبنان وإخراجها من معادلة الحرب القادمة؟ عندما تُطرح الهدنات من موقف لا يملك فيه العدو اليد العليا المطلقة، فإنها تحمل وظيفة خفية تتمثل في ترويض القوة التي أربكت حساباته. فإذا كان التدخل اللبناني قد خفف الضغط عن الساحات الأخرى في هذه الجولة، فإن الهدف الأول لواشنطن وتل أبيب هو ضمان تكبيل هذه الجبهة بالكامل في أي سيناريو حرب مقبلة.

إن وقف إطلاق النار يُستخدم اليوم كأداة لعزل الساحات؛ فالعدو يمهد مسرح العمليات القادم ليكون خالياً من أي إزعاج يأتي من الشمال. وتلك هي استراتيجية “الاستفراد”؛ فهم يخططون لضرب أي جبهة مستقبلية -سواء كانت طهران أو غيرها- مع ضمان صمت الجبهات الأخرى. وسيعتمدون في ذلك على تحريك الجيوش الإلكترونية والأصوات الشعبوية في الداخل لترديد أسطوانة “تجنب الخراب” و”دفع فاتورة حروب الآخرين”، ليتحول المحور الذي كان يقاتل كجسد واحد، إلى جزر معزولة تُضرب تباعاً تحت مظلة الهدنات الملغمة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات