سودان تمورو
إذا أردتُ الإجابة عن التساؤل الملح حول سبب بقاء إيران واستمرارها، فإنه يتحتم عليَّ أن أُدير ظهري للسياسة اليومية وأُولي وجهي شطر التاريخ. فالتجربة التاريخية تُعلمنا أن زوال دولة، أو حتى انهيار إمبراطورية، لا يعني بالضرورة فناء الحضارة. ولعل أوضح مثال على ذلك هو الغزو المقدوني؛ فالإسكندر الأكبر لم يزحف بجيوشه لمجرد الاستيلاء على رقعة جغرافية، بل كان يتحرك ضمن صراع أعمق؛ صراع اليونانيين مع “الآخر” الذي صوّرت السرديات الإغريقية القديمة، ولا سيما عند هيرودوت، صورته على أنه “الهمجي”. لم تكن الحروب الفارسية اليونانية، من ماراثون إلى سلاميس، مجرد صراع على السلطة والنفوذ، بل كانت في جوهرها حرباً على الصور والهويات. وعندما اجتاح الإسكندر الأراضي الإيرانية، لم يكن هدفه إسقاط الدولة الأخمينية فحسب، بل إن أفعاله، كإحراق “تخت جمشيد” أو تدمير نصوص الأڤستا المقدسة، كانت محاولة واضحة لطمس الذاكرة الثقافية، في هجوم يتجاوز الهزيمة العسكرية ليضرب في صميم الذاكرة الجمعية.
لكن المفارقة الأهم هي أن هذا المشروع الاستئصالي لم يُكتب له النجاح المطلق. ففي حقبة ما بعد الإسكندر، ورغم الهيمنة الثقافية اليونانية التي جعلت من لغة الإغريق لغة للسلطة ونشرت أساطيرهم ورموزهم حتى باتت العملات النقدية في العهد الأشكاني تُسك باليونانية، لم تُمحَ إيران من الوجود. بل شهدت تلك المرحلة حالة من التعايش والتنافس بين طبقتين ثقافيتين، لتشكل هيمَنة ثقافية لا إقصاءً تاماً. ثم جاءت نقطة التحول الحقيقية في العهد الساساني، حيث نشهد إعادة بناء واعية ومدروسة لـ “فكرة إيران”. لقد قدّم الساسانيون الأوائل أنفسهم كورثة لدارا (داريوس)، ولم يكن ذلك مجرد ادعاء سياسي عابر، بل مسعى جاداً لترميم الاستمرارية التاريخية. في تلك الحقبة، أزاحت اللغة البهلوية نظيرتها اليونانية، وأُحييت التقاليد الزرادشتية، وعاد مفهوم “إيران” للتبلور ككيان ثقافي وسياسي؛ ليثبت التاريخ أن الذاكرة تُبنى وتُستعاد من جديد، حتى بعد أعتى الانقطاعات.
ومع سقوط الإمبراطورية الساسانية والفتح الإسلامي، توارت الدولة الإيرانية مرة أخرى، غير أن النمط التاريخي ذاته أعاد إنتاج نفسه: زوال للدولة مع بقاء للثقافة. في تلك المرحلة، لم يكن الهيكل السياسي المركزي هو ما حفظ إرث إيران، بل شبكة معقدة من الحركات والتقاليد ومحاولات إعادة التعريف، بدءاً من الحركة الشعوبية إلى الدويلات المحلية كالسَامانيين والصفاريين. لقد كانت تلك حركات تسعى لإعادة تعريف الهوية الإيرانية داخل الإطار الإسلامي الجديد. وبلغ هذا المسار ذروته في “ملحمة” الفردوسي، ذلك السفر الذي يتجاوز كونه عملاً أدبياً ليصبح مشروعاً ضخماً لإعادة بناء الذاكرة التاريخية، حيث تولى الفردوسي مهمة ربط الخيوط المقطوعة، ورسم صورة متصلة لإيران، حتى في ظل غياب دولة موحدة تجمع شتاتها آنذاك.
وفي نهاية المطاف، تجسدت هذه الصورة مجدداً في واقع سياسي إبان العهد الصفوي. والمثير للاهتمام هنا أن الصفويين، رغم جذورهم الصوفية والناطقة بالتركية، عرّفوا أنفسهم داخل هذه السردية الإيرانية الخالصة. فقد كانت أسماؤهم ورموزهم ومخيالهم السياسي إيرانية بامتياز، لدرجة أن خصومهم الألداء كالعثمانيين كانوا يطلقون عليهم اسم “إيران”، في حين يُطلق العثمانيون على أنفسهم اسم “الروم”.
بناءً على كل ما سبق، حين نتحدث عن بقاء إيران، فنحن في الواقع لا نناقش بقاء كيان سياسي، بل خلود صورة تاريخية وثقافية. إنها صورة تمتلك مقومات ديمومتها: القدرة على النهوض من رحم الهزيمة، ومرونة امتصاص العناصر الوافدة وهضمها، وذاكرة جمعية ضاربة في عمق الزمن. إن المعضلة التي تغفل عنها التحليلات السطحية هي أن تدمير الهياكل السياسية أمر وارد، لكن اجتثاث فكرة تاريخية هو ضرب من المستحيل. لقد انهارت إيران سياسياً مرات عديدة على مر العصور، لكنها كانت تنبعث في كل مرة بفضل هذا التداعي والتواصل الثقافي. ولذلك، فإن السؤال الجوهري ليس: “هل سيهاجم ترامب ويمحو الحضارة الإيرانية؟”، بل: “هل يمكن تفكيك تلك النواة الثقافية والذاكرة التاريخية؟”. والتجربة التاريخية تُجيب بوضوح: في حالة إيران، لا تزال هذه النواة صلبة وعصية على الكسر حتى يومنا هذا.
