الثلاثاء, أبريل 21, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف توزّعت فاتورة الخنق النفطي على العالم؟.. بقلم أماني عبدالرحمن

كيف توزّعت فاتورة الخنق النفطي على العالم؟.. بقلم أماني عبدالرحمن

سودان تمورو

كشفت الحرب الدائرة في إيران، والتي دخلت أسبوعها السابع، عن حقيقة صارخة مفادها أن التداعيات الكارثية لأعنف اضطراب في إمدادات النفط والغاز في التاريخ لا تتوزع بالتساوي على مناطق العالم المختلفة. فالدول الآسيوية، التي تعد الأكثر ارتهاناً لتدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة، تصارع نقصاً حاداً في الوقود، في حين أُجبرت شركات الطيران على رفع أسعار التذاكر وإلغاء الرحلات، ودخلت مصافي التكرير في سباق محموم لاقتناص أي برميل نفط من خارج المنطقة المشتعلة.

وفي خضم هذه الفوضى التي تعصف بالقارة الآسيوية، تبرز الصين كاستثناء لافت؛ فبكين التي استغلت انخفاض الأسعار خلال العام الماضي لمراكمة احتياطياتها النفطية الاستراتيجية والتجارية، تقف اليوم على أرض صلبة. وبإمكان مصافي التكرير الصينية المستقلة الاعتماد على الكميات الهائلة من النفط الإيراني المخزن على متن الناقلات منذ يناير الماضي، لامتصاص صدمة النقص الناجم عن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز. وهذا النفط، الذي أُعفي رسمياً من العقوبات الأمريكية، يمنح بكين طوق نجاة لعبور عدة أسابيع من الحصار المفروض على أهم شريان نفطي في العالم.

ويعكس هذا المشهد تحولاً في المقاربة الأمريكية، حيث تبدو إدارة ترامب أكثر تسامحاً مع حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي طالما أنها تستنزف خصوماً استراتيجيين كالصين. فإذا كان صعود أي منافس يرتبط بضمان إمدادات طاقة مستقرة، فإن خلق حالة من عدم اليقين يفرض تكاليف باهظة قد تعجز الرسوم الجمركية والعقوبات عن إحداثها. وترتكز حسابات الإدارة الأمريكية على فرضية المناعة؛ لاعتقادها أن الولايات المتحدة، بصفتها المنتج الأول للنفط عالمياً والمتمتعة باستقلال في مجال الطاقة، بمنأى عن تداعيات هذه الأزمة، خلافاً لأوروبا وآسيا.

غير أن التربع على عرش الإنتاج العالمي لا يعني بالضرورة استقلالاً مطلقاً؛ فالولايات المتحدة، ورغم إنتاجها لنحو ١٣ مليون برميل يومياً يُصدر خُمسها، لا تزال بحاجة إلى الاستيراد لتلبية استهلاكها اليومي البالغ نحو ٢٠ مليون برميل. وإذا ما استمرت دوامة الصراع والحصار والمفاوضات لأسابيع أخرى، فإن ارتداداتها ستصل حتماً إلى الداخل الأمريكي، وهو ما تجلى بالفعل في جيوب المستهلكين. فقد قفزت أسعار البنزين بأكثر من دولار واحد للغالون في غضون ستة أسابيع فقط، ولامس معدل التضخم في مارسحاجز 3.3% على أساس سنوي، مدفوعاً بزيادة مؤشر الطاقة بنسبة 10.9%، والتي كان المحرك الأساسي لها هو الارتفاع الصاروخي في أسعار البنزين بنسبة 21.2%. ورغم ريادتها الإنتاجية، تظل أمريكا رهينة للأسواق العالمية التي سعّرت بالفعل الانقطاع الهائل في الإمدادات الناجم عن الحرب.

وفي مواجهة هذا النقص، قد تسعى شركات النفط الصخري الأمريكية لزيادة إنتاجها، خاصة مع بقاء الأسعار فوق مستوى الربحية لأكثر من شهر. لكن هذه الزيادة ستكون بطيئة ولن تظهر نتائجها قبل ثلاثة إلى ستة أشهر، وحتى لو تحققت، فإنها ستقف عاجزة عن سد الفجوة العميقة التي خلفها إغلاق مضيق هرمز. وما يزيد الطين بلة هو حالة الضبابية التي تكتنف استدامة الأسعار الحالية، مما يجعل الانخراط في عمليات حفر واسعة النطاق مغامرة محفوفة بالمخاطر، لتصبح حالة عدم اليقين الجيوسياسي هي العائق الأكبر أمام نمو الإنتاج الأمريكي.

وبينما يكبّل الشك أيدي منتجي النفط الصخري، تئن آسيا وأوروبا تحت وطأة شح الوقود، وتدفعان فاتورة مضاعفة لشراء النفط الأمريكي الذي سجلت صادراته أرقاماً غير مسبوقة. هذا الاستنزاف المستمر، بالتزامن مع استعار الحرب، يهدد بهبوط مخزونات النفط في منطقة ساحل الخليج الأمريكي الاستراتيجية إلى مستويات حرجة بحلول نهاية يونيو، حتى مع اللجوء لضخ كميات من الاحتياطي الاستراتيجي. وأمام هذا المأزق، يجد صانع القرار الأمريكي نفسه بين مطرقة تقبل ارتفاع الأسعار وسندان التدخل الحاد في السوق عبر تقييد الصادرات؛ وهو خيار يهدد بنتائج عكسية قد تنتهي بإغلاق المصافي وخفض الإنتاج في سواحل الخليج، التي صُممت بنيتها التحتية بالأساس لغايات التصدير.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات