الثلاثاء, أبريل 21, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي«الخط الأصفر».. هندسة التوسع وابتلاع الجغرافيا!.. بقلم شيرين فواز

«الخط الأصفر».. هندسة التوسع وابتلاع الجغرافيا!.. بقلم شيرين فواز

سودان تمورو

في تحرك ميداني يعيد استنساخ نموذج «الضم التدريجي للأراضي بذرائع أمنية» الذي طُبق بصرامة في قطاع غزة، شرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في فرض ما بات يُعرف بـ «الخط الأصفر» الفاصل في الجنوب اللبناني. ولا ينفصل هذا التوجه بأي حال عن رؤية أمنية أوسع وأكثر شمولاً، طالما أفصح عنها بنيامين نتنياهو، ترتكز على إقامة حزام أمني متصل يمتد من تخوم الجنوب اللبناني وصولاً إلى حوض نهر اليرموك في سوريا، في مسعى دؤوب لربط المناطق الحدودية وإذابتها في بوتقة شريط عازل واحد. وفي القاموس الإسرائيلي المستحدث، يُطلق مصطلح «الخط الأصفر» على ذلك الواقع الديموغرافي والعسكري الجديد الذي يُفرض قسراً داخل أراضي غزة ولبنان، حيث تسعى تل أبيب من خلاله إلى تكريس واقع ميداني دائم عبر إخضاع مناطق شاسعة لسيطرة نارية وعسكرية مطلقة. ورغم غياب التفسيرات الرسمية لسر اختيار اللون الأصفر، إلا أن الشواهد الميدانية تتجسد بوضوح في تلك المكعبات الإسمنتية الصفراء الضخمة التي غرسها الجيش الإسرائيلي لرسم حدود انتشاره في غزة.

ولعل هذا الخط الجديد ينضم إلى قائمة طويلة من «الخطوط الملونة» التي رسمت تاريخ الأراضي المحتلة؛ بدءاً من «الخط الأخضر» لترسيم هدنة عام 1949، مروراً بـ «الخط البنفسجي» عقب حرب عام 1967 على الجبهة السورية، وصولاً إلى «الخط الأزرق» الذي رسمته الأمم المتحدة عقب الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000. بيد أن الفلسفة الكامنة وراء الخط الأصفر في العقيدة الإسرائيلية لا تقف عند حدود التكتيك العسكري العابر، بل تتجاوزه لتصبح أداة استراتيجية لإعادة تعريف الحدود المؤقتة وربطها بالتحولات السياسية والميدانية، تماماً كما جرى في غزة حين رُبط استمرار هذا الخط بشرط نزع سلاح حركة حماس.

وعلى الأرض، تكشف المعطيات أن هذا المشروع التوسعي يستهدف في لبنان نحو 55 بلدة وقرية، ما يعني إخضاعها لهيمنة عسكرية إسرائيلية ضمن شريط يتراوح عمقه بين 4 إلى 10 كيلومترات على طول الحدود، وهو ما يُعرف في الداخل الإسرائيلي بـ «خط الصواريخ المضادة للدروع». أما في غزة، فقد منح هذا الخط جيش الاحتلال القدرة على هندسة التهجير القسري للسكان نحو مناطق محددة، ليبتلع ما بين 52% إلى 60% من مساحة القطاع، ممتداً بعمق يتراوح بين 2 إلى 7 كيلومترات، ومحولاً إياها إلى مناطق عمليات خطرة. ورغم أن الخط كان نظرياً في بدايته، إلا أن جيش الاحتلال حول مكعباته الصفراء إلى حزام مرئي يوثق حدود انتشاره في المرحلة الأولى من أي اتفاق. وتكمن المفارقة الجوهرية بين ساحتي غزة ولبنان في أن الخط الأول تبلور ضمن سياق توافقات مرحلية، بينما يُفرض الثاني في لبنان بقرار إسرائيلي أحادي، ما يجعله فتيل أزمة مفتوحة على مواجهات سياسية وربما عسكرية شرسة، نظراً لاختلاف الطبيعة الجغرافية والتعقيدات الميدانية.

ولا يمكن قراءة مسار «الخط الأصفر» بمعزل عن المخططات التوسعية الكبرى، وهو ما أكدته تصريحات متواترة لقادة سياسيين وعسكريين في إسرائيل، ينظرون إلى هذا الخط بوصفه الحدود الفعلية للكيان. وقد تجلى ذلك صراحة على لسان رئيس الأركان إييال زامير، الذي أعلن في ديسمبر الماضي خلال جولة ميدانية أن الخط الأصفر يمثل «الحدود الجديدة» بين إسرائيل وقطاع غزة. وفي السياق ذاته، لم تخفِ صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية حقيقة أن تل أبيب استغلت انشغال العالم بصخب المواجهة مع إيران، لتسريع وتيرة مخططاتها التوسعية في الضفة الغربية المحتلة بشراسة لم تشهدها الأراضي الفلسطينية منذ حرب الأيام الستة عام 1967.

وتتقاطع كل هذه الخيوط لتنسج مشهداً يتطابق تماماً مع إعلان نتنياهو في 13 أغسطس 2025 عن دعمه المطلق لرؤية «إسرائيل الكبرى»؛ ذلك المشروع التوراتي الذي يستحضر التراث التلمودي لتبرير سياسة التوسع، لا سيما بعدما لوّح قبل سنوات بقيادة إسرائيل نحو ما أسماه «القرن المائة»، قبل أن يفاجئ الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2023 برفع خريطة تمحو فلسطين تماماً وتضم غزة والضفة الغربية. وفي نهاية المطاف، وتحت ستار الهواجس الأمنية والأطماع التاريخية، يبرز «الخط الأصفر» كحلقة وصل تقنية لتثبيت أركان التوسع؛ خط يوفر الغطاء العسكري لأيديولوجيا الاستيطان، ويحول «الحدود المؤقتة» إلى حجر زاوية في مشروع قضم الأراضي التدريجي؛ وهو مشروع يبدأ دوماً بيافطة الأمن، وينتهي بفرض السيادة وتكريس الاحتلال كأمر واقع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات