سودان تمورو
تتراكم نُذُر المواجهة في سماء المنطقة يوماً بعد يوم، وتؤكد المؤشرات الميدانية والتحركات العسكرية أن احتمالية اندلاع حرب جديدة خلال الأيام المقبلة قد تجاوزت مرحلة التكهنات لتدخل حيز الخطر المحدق. ففي سباق محموم ومتزامن مع محاولات التفاوض الهشة، انخرطت الأطراف الثلاثة الرئيسية في تجهيز مسارح عملياتها، وكأن لغة الحوار لم تكن سوى غطاء لتمرير الوقت واستكمال الاستعدادات. وفي قلب هذا المشهد المتفجر، تبرز النية الإسرائيلية المعلنة كعامل تصعيدي بالغ الخطورة، والمتمثلة في إصرارها على استكمال ما تسميه “بنك أهداف البنية التحتية” في إيران، وهو ما يُعتبر بمثابة دق مسمار في نعش أي فرصة للتهدئة.
كان للمنطق الاستراتيجي أن يفرض مساراً مغايراً. فلو أن قرار الحصار البحري الأمريكي قوبل برد إيراني مضاد وحاسم في البحر الأحمر، عبر تفعيل التعاون مع جماعة أنصار الله لإغلاق مضيق باب المندب، لربما تغير وجه المعادلة. فمثل هذه الخطوة كانت سترفع التكلفة السياسية والاقتصادية على واشنطن إلى حد قد يجبرها على التراجع، مما يفسح المجال أمام الدبلوماسية لالتقاط أنفاسها ودرء شبح الحرب. لكن يبدو أن طهران تدرك بعمق الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها استمرار هذا الحصار بالنسبة للولايات المتحدة، وعليه، فإن ضبط النفس الإيراني الحالي قد لا يكون سوى مناورة تكتيكية تهدف إلى إبقاء خيط التفاوض الرفيع موصولاً، وعدم الانجرار إلى مواجهة شاملة قبل استنفاد كل السبل.
غير أن هذا الخيط الدبلوماسي قد ينقطع في أية لحظة. ففي حال أصرت الإدارة الأمريكية على المضي قدماً في فرض الحصار، واندلعت شرارة المواجهة الأولى، فإن ذلك سيعني طي صفحة الوساطة الباكستانية بشكل نهائي وإعلان فشلها. في هذه اللحظة الحرجة، سيتحتم على إيران التحرك بسرعة وحنكة لنقل الملف من الميدان العسكري المحترق إلى طاولة المفاوضات عبر لاعبين جدد. ويتعين أن يكون الهدف الإيراني هو الدفع بقوة نحو إسناد مهمة الوساطة في أي حوار مستقبلي مع واشنطن إلى كل من روسيا والصين. فهاتان القوتان العظميان لا تملكان فقط نفوذاً متوازناً على طرفي النزاع، بل إن مصالحهما الاستراتيجية في استقرار المنطقة وقدرتهما على توفير ضمانات دولية حقيقية تجعلهما الوسيط الأكثر فاعلية وقدرة على لجم اندفاع الجميع نحو المجهول.
إن المنطقة تقف بالفعل على حافة بركان، والقرار الآن محصور بين عدد قليل من القادة الذين تحمل كلماتهم وقراراتهم مصير شعوب بأكملها. فإما أن تنتصر حسابات العقل والوسطاء الدوليون في كبح جماح التصعيد، وإما أن تدفع الأجندات العسكرية والرغبة في فرض الأمر الواقع بالجميع نحو مواجهة كارثية يصعب التنبؤ بعواقبها المدمرة. والساعات والأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كان صوت الحكمة سيعلو على قرع طبول الحرب.
