خاص سودان تمورو
في تطور لافت ضمن ملف الحرب السودانية، أوقفت باكستان مشروع تسليح الجيش السوداني بعد قرار سعودي بتجميد الصفقة وتمويلها.
القرار يعكس تعقيد المشهد الإقليمي وتشابك المصالح حول السودان، ويطرح تساؤلات عن البدائل المتاحة أمام قيادة الجيش لتعويض النقص.
أولاً: خلفية الصفقة وأطرافها: تضمن مشروع التسليح الباكستاني توريد ذخائر مدفعية، وقذائف صاروخية خفيفة، وطائرات مسيرة استطلاعية وقتالية من طراز “شاهبار”، إضافة إلى دعم فني وتدريب. وكانت باكستان تسعى لاستثمار قدراتها التصنيعية وتوسيع نفوذها في سوق السلاح الأفريقي و بحسب تسريبات إعلامية متطابقة، كانت السعودية هي الممول الرئيسي للصفقة ضمن سياسة دعم استقرار الجيش السوداني ومنع انهيار الدولة وجاء التمويل جاء مشروطًا بضمانات سياسية تتعلق بوحدة الجيش وعدم انزلاق السودان نحو محاور منافسة وفى يوليو 2025 أعلنت الرياض تجميد الصفقة وتبعتها إسلام آباد بإيقاف خطوط الإنتاج المخصصة للسودان في سبتمبر 2025. القرار الباكستاني جاء بعد تعليق الدفعات المالية وغياب الضوء الأخضر السياسي.
ثانيًا: الأسباب الداعية لإيقاف المشروع
حسابات سعودية متغيرة دفعت لايقاف التمويل ومنها بحسب المحلللين دعم المسار التفاوضي اذ تصاعد الضغط الأمريكي والأممي على الرياض لدفع الطرفين نحو منبر جدة وعدم “تغذية الحرب” ؛ واعتبار ان استمرار التمويل العسكري معرقلاً للحل السياسي. ايضا سوف يؤدى تدفق التمويل الى توسع الحرب وتعقيدها و إطالة أمد القتال مع توسع قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان وهذه وغيرها اسباب جعلت الرهان على حسم عسكري سريع محل شك، ما دفع السعودية لإعادة تقييم جدوى الدعم.
ومن الاسباب التى قد تكون سببا فى دفع السعودية على ما اقدمت عليه الحساسية الإقليمية فمع انفتاح البرهان على طهران وموسكو ثارت تحفظات الخليج من تعزيز قدرات قد تخرج لاحقًا عن السيطرة.
الحسابات الباكستانية الواقعية قد تكون سببا فى ايقاف العمل على تسليح الجيش السودان اذ تعتمد باكستان على التمويل الخارجي وهى تعاني من أزمة اقتصادية حادة ولا تستطيع تصدير سلاح بالأجل أو من موازنتها. وتجميد المال السعودي يعني بالنسبة لباكستان استحالة إكمال الصفقة.
إسلام آباد من جهتها تتجنب التورط المباشر في صراع تتقاطع فيه مصالح الخليج ومصر والإمارات وأمريكا وروسيا. وأي تسليح دون غطاء سعودي يضعها في مواجهة غير محسوبة لاترغب فيها.
الضغوط القانونية والدولية تؤثر فى القرار الباكستانى ويرفع تنامي التقارير عن استهداف المدنيين الكلفة القانونية على الدول الموردة للسلاح، خاصة مع تحقيقات أممية جارية.
ثالثًا: الآثار على الوضع في الميدان
للخطوة الباكستانية بلا شك تأثير عملياتي مباشر فالجيش السوداني يعاني نقصًا حادًا في ذخائر المدفعية والمسيرات، وهما سلاحا المعركة الأساسيان فى مرحلة من المراحل ويفاقم إيقاف الصفقة الباكستانية هذا النقص على المدى المتوسط، أي بعد 3-4 أشهر من نفاد المخزون.
ويفهم تجميد الدعم الباكستانى كـ”تراجع إقليمي” عن الرهان على الحسم العسكري، ما قد يدفع قادة الميدان لإعادة حساباتهم
التصنيع الحربي المحلي يمكن ان يكون بديلا فمجمع اليرموك ومنظومة الصناعات الدفاعية قادران على إنتاج ذخائر كلاشنكوف وهاون، لكنهما عاجزان عن تعويض الذخائر النوعية والمسيرات. كما أن المنشآت تحت نيران الدعم السريع.
تركيا والصين مطروحان كبدائل فأنقرة مورد مرن للمسيرات “بيرقدار”، لكنها تطلب دفعًا مقدمًا. والصين تبيع بلا شروط سياسية لكن بكميات كبيرة وعقود طويلة الأجل يصعب على السودان الالتزام بها الآن
وقد تفكر الحكومة فى العودة للمسار الخليجي المصري: باعتباره الخيار الأكثر واقعية و تقديم تطمينات للرياض والقاهرة تتعلق بـ: قطع الاتصالات العسكرية مع إيران، والالتزام بخارطة طريق جدة، وضمان عدم استخدام السلاح في تغيير ديمغرافي. مقابل ذلك قد تفرج السعودية عن التمويل بشروط جديدة وتدريجية.
إن ايقاف باكستان لمشروع التسليح ليس قرارًا فنيًا، بل مرآة لتحول الموقف السعودي من “دعم الحسم” إلى “إدارة الأزمة ومنع الانفجار الإقليمي”. والجيش أمام معادلة صعبة : أي سلاح دون غطاء إقليمي يعني عزلة، وأي غطاء إقليمي يعني تنازلات سياسية. على المدى القصير، والخشية ان يشهد الميدان تراجعًا نسبيًا في كثافة نيران الجيش مقابل اعتماده أكثر على القصف الجوي والعمل الخاص. وعلى المدى المتوسط، مستقبل التسليح مرهون بقدرة القيادة السودانية على موازنة التحالفات، فالذخيرة اليوم سياسية بقدر ما هي عسكرية.
