السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمقامرة نتنياهو الخاسرة!.. بقلم لطفي الشناوي

مقامرة نتنياهو الخاسرة!.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

مع انطلاق جولة التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد إيران في أواخر فبراير الماضي، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف رهاناته إلى مستوى غير مسبوق، مبشراً بحملة عسكرية ذات أهداف قصوى وطموحات تبدو في ظاهرها أسطورية؛ فتحدث بملء فيه عن تغيير النظام الإيراني وتدمير قدراته النووية تدميراً كاملاً. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انسحب على الساحة اللبنانية مع دخول حزب الله على خط المواجهة، حيث توعد وزير الدفاع الإسرائيلي بمواصلة القتال حتى الاجتثاث التام للحزب. هذه الوعود البراقة والخطابات الرنانة خلقت حالة من الترقب ورفعت سقف التوقعات لدى الرأي العام الإسرائيلي إلى عنان السماء، منتظرين نتائج حاسمة لعملية عسكرية كبرى. بيد أن الرضوخ المفاجئ لوقف إطلاق النار جاء كصاعقة بددت هذه الأوهام، وقلبت المشهد السياسي الإسرائيلي رأساً على عقب.

ولعل قراءة هذا التراجع لا تستقيم دون الغوص في طبيعة التحالفات وشروطها الحاكمة. فمن الثوابت السياسية أن الشراكات غير المتكافئة تفرض على الطرف الأضعف الانصياع لإرادة الحليف الأقوى. وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح في الحرب الأخيرة؛ فبينما كان نتنياهو يلهث وراء إطالة أمد الصراع طمعاً في مكاسب سياسية، وجد نفسه مجبراً في نهاية المطاف على تجرع كأس وقف إطلاق النار، رضوخاً للضغوط المباشرة من حليفه الأقوى، دونالد ترامب. لقد أدرك نتنياهو، رغم مكابرته، أن إسرائيل أعجز من أن تحقق تلك الأهداف الإستراتيجية الكبرى بمفردها، وأنها بحاجة ماسة إلى المظلة العسكرية والسياسية الأمريكية. وحين ارتضى هذه الشراكة العسكرية، كان عليه أن يدفع الفاتورة السياسية ويتقبل تبعاتها السلبية، وعلى رأسها التخلي عن استقلالية القرار العسكري حين تتقاطع طموحاته مع مصالح واشنطن.

أما على الصعيد الداخلي، وتحديداً في جبهة الشمال، فإن الثمن السياسي الذي يدفعه نتنياهو يبدو باهظاً للغاية. لقد تهاوت شعبيته هناك إلى مستويات حرجة بعد قبول الهدنة مع لبنان، واللوم في ذلك يقع حصراً على عاتقه. ففي أعقاب الهدنة السابقة مع حزب الله، روّج نتنياهو لانتصار حاسم، موهماً سكان المستوطنات الشمالية بأن خطر الهجمات قد زال إلى غير رجعة لسنوات طوال. واليوم، وبعد أن اضطر للقبول بوقف جديد لإطلاق النار دون تحقيق ذلك “الاجتثاث” الموعود، وجد نفسه عاجزاً عن إعادة تسويق بضاعته الكلامية القديمة لسكان باتوا لا يثقون في وعوده.

وفي سياق متصل، برزت معضلة أخرى لا تقل تعقيداً تتعلق بالملف النووي الإيراني، وهي معضلة تكشف حجم التناقض في الخطاب الإسرائيلي. فالفئة التي صدقت في السابق مزاعم نتنياهو بأن إسرائيل نجحت خلال “حرب الـ 12 يوماً” في تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية، تتساءل اليوم بشك وريبة: لماذا نخوض حرباً جديدة لتدمير ما قيل لنا إنه دُمر بالفعل؟ وهل يمكن حقاً الركون إلى اتفاق يتضمن تجميد التخصيب لمدة 20 عاماً واعتباره ضمانة حقيقية لتوقف البرنامج النووي؟ هذا التناقض الصارخ يضع نتنياهو في مأزق أمام جمهوره، ليجد نفسه حبيس فخ نصبه بيديه حين بالغ في تسويق انتصارات وهمية.

إن القاعدة الذهبية في السياسة الإسرائيلية تقول إن العمليات العسكرية عادة ما ترفع من أسهم الحكومة، ولكن الوجه الآخر لهذه القاعدة أشد قسوة؛ فإذا انتهت المعارك دون انتصار حاسم ومطلق، فإنها تتحول إلى لعنة تطارد السلطة وتجعلها منبوذة شعبياً. كان نتنياهو يعول على إطالة أمد الحرب لتحقيق إنجازات عسكرية استثنائية يقتحم بها حلبة الانتخابات كبطل قومي. كان هذا الرهان يتطلب إما وقتاً كافياً لتحقيق نصر ملموس، أو قدرة خارقة على إقناع الرأي العام بانتصار ساحق على إيران وحزب الله. ولكن، في ظل المعطيات الراهنة والرضوخ لوقف إطلاق النار، تبخرت هذه الشروط، ووجد نتنياهو نفسه يدفع الثمن السياسي لحرب رفعت شعار “النصر المطلق” وانتهت بتنازلات قسرية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات