السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالخطيئة الإستراتيجية!.. بقلم حسن طه

الخطيئة الإستراتيجية!.. بقلم حسن طه

سودان تمورو

لعل الدرس الإستراتيجي الأول والأهم المستخلص من خضم “حرب الأربعين يوما” التي لم تضع أوزارها بعد، هو ضرورة إدراك التمييز الدقيق وغير القابل للتجاهل بين مفهومي “الردع” و”أوراق الضغط”. ففي القاموس الإستراتيجي، يُعرّف الردع بأنه القدرة المطلقة على منع العدو من الإقدام على فعل ما، عبر تهديد حقيقي وفعال بفرض تكلفة لا يمكن احتمالها، بحيث يتراجع الخصم كلياً عن أي تحرك عسكري، لا سيما ذلك الذي يحمل تبعات وجودية. هذا المنطق الصارم ينهض على عمودين لا غنى عنهما: القدرة الفعلية، ومصداقية التهديد. وبدون تضافر هذين العنصرين، يتآكل الردع وينحدر إلى مجرد “إرسال إشارات جوفاء” لا تسمن ولا تغني من جوع في ساحات الوغى.

وعلى النقيض من ذلك، فإن مضيق هرمز، ورغم أهميته الجيوسياسية الطاغية التي لا ينكرها أحد، لا يمكن تصنيفه في هذا الإطار المفاهيمي كأداة للردع. إن وظيفته الأساسية تتموضع حصراً في مربع “دبلوماسية الإكراه”، أو بتعبير أدق في المفهوم الشيلينغي (نسبة للمفكر توماس شيلينغ): “الإجبار”. نعم، يمتلك هذا المضيق القدرة على إرباك شرايين الطاقة العالمية، وفرض فواتير اقتصادية باهظة على الفاعلين الدوليين، بل وقد ينجح في تعديل سلوكهم على المدى القصير، لكنه يفتقر تماماً إلى تلك الجوهرية القادرة على ثني فاعل نووي كالولايات المتحدة أو إسرائيل عن اتخاذ قرار بشن عمل عسكري. بعبارة أخرى، هو أداة مصممة لـ “تغيير السلوك” بعد اندلاع الأزمة أو في ذروتها، وليس أداة لـ “منع وقوعها” من الأساس.

ولعل الخطأ الفادح الذي تبلور في الخطابين السياسي والجماهيري في إيران، والذي يعاد إنتاجه باستمرار، يكمن في الترويج لمضيق هرمز باعتباره درعاً رادعاً. هذا الخلل الإدراكي يحمل في طياته تداعيات كارثية على أرض الواقع، كونه يؤدي إلى قراءة مشوهة لموازين القوى والقدرات الحقيقية للدولة. وقد جاءت الشواهد التجريبية الأخيرة لتفضح هذا التناقض بوضوح صارخ؛ ففي مطلع أبريل، وحينما لوح دونالد ترامب بتهديدات صريحة بـ “تدمير الحضارة”، وجدت طهران نفسها في مواجهة ما يُعرف في الأدبيات الأمنية بـ “التهديد الوجودي”. أثبتت تلك التصريحات، بما لا يدع مجالاً للشك، أن أدوات كمضيق هرمز تقف عاجزة عملياً عن درء هذا المستوى من التهديدات، وهنا تتجلى الفجوة العميقة بين الردع الحقيقي وأوراق الضغط الإكراهية.

وعلى الصعيد الإقليمي، فرض منطق الردع النووي إطاراً حديدياً قيّد سلوك الفاعلين بشدة. إن وجود فاعل يمتلك ترسانة نووية كإسرائيل، يضع سقفاً فاصلاً لا تتجاوزه مستويات التصعيد. هذا المشهد يتطابق تماماً مع ما يُعرف بنظرية “مفارقة الاستقرار واللااستقرار”؛ ففي حين يمنع الردع النووي الانزلاق نحو حرب شاملة، تستمر المناوشات والضربات المحدودة في المستويات الأدنى. لذا، لم يكن الرد الإيراني المحدود عقب استهداف منشآت نطنز وأصفهان -والذي اقتصر في ذروته على استهداف سكن مجاور لمفاعل ديمونا- مجرد انعكاس لنقص في القدرات، بل يجب قراءته كنتاج لحسابات عقلانية باردة تمت تحت مظلة الردع النووي، وهي هيكلية ترفع تكلفة تجاوز الخطوط الحمراء إلى مستويات انتحارية.

أما من زاوية الاقتصاد السياسي الدولي، فإن التعويل المفرط على ورقة مضيق هرمز يصطدم بجدران هيكلية صلبة. هذه الأداة بطبيعتها تنقل عبء التكلفة إلى أطراف ثالثة، وتحديداً إلى اقتصادات كبرى كالصين ودول الخليج العربية التي تعتمد على التدفق السلس للطاقة. ونتيجة لذلك، فإن الاستخدام المطول لهذه الورقة ليس فقط خياراً غير مستدام، بل إنه يشكل وصفة نموذجية لاستفزاز تحالفات مضادة، وقد يستجلب ردود فعل عكسية تتجلى في ضغوط دولية متعددة الأطراف أو حتى “حصار اقتصادي” خانق تقوده واشنطن. إنها ورقة ضغط مكلفة، قصيرة الأجل، وذات عوائد متناقصة مع كل تلويح متكرر بها.

خلاصة القول من وجهة نظر مراقب عربي يقرأ المشهد بتجرد: يجب أن يوضع مضيق هرمز في حجمه الطبيعي وحيزه الإستراتيجي الحقيقي؛ كأداة جيوسياسية بالغة الأهمية لممارسة الضغط الاقتصادي والتأثير على مسار الفاعلين، وليس كمنظومة ردع بالمعنى الكلاسيكي الصارم. إن الخلط بين هذين المفهومين لا يمثل خطيئة نظرية فحسب، بل هو فخ عملياتي قد يقود إلى حسابات إستراتيجية طائشة، تضع ايران في مواجهة تهديدات تعجز أدواتها المتاحة عن ترويضها. إن إدراك هذا التمييز يُعد فريضة أساسية لأي مراجعة جادة للسياسة الخارجية والأمنية، ويبقى التحذير قائماً: لا تنخدعوا بمنظري الأوهام الذين يحاولون تسويق أوراق الضغط المؤقتة على أنها دروع ردع لا تُقهر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات