سودان تمورو
لم يغب تأثير اليسار في العالم كما تروج الدعاية اليمينية، إذ تثبت التجارب أن القوى اليسارية لا تزال حاضرة ومؤثرة في كل الأوقات وبكل الأماكن، وإن كان بشكل متفاوت، يرتبط بمدى راديكالية تلك القوى من ناحية، وبالظروف العامة للبلد التي تنشط فيها من ناحية أخرى.
اليمين، بشكل أو آخر، كان قد اعتبر أن نجاح دونالد ترامب في الوصول إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة الأميركية للمرة الثانية مطلع العام الماضي ٢٠٢٥، والذي تزامن مع تراجع حضور أحزاب “اليسار الوسط” في أوروبا، بالإضافة إلى الضربات المتتالية التي تلقتها الحكومات اليسارية في دول الجنوب، يعني أن “اليسار قد انتهى للأبد” وأن “اليمين، بأشكاله المختلفة، قد تسيّد”.
بينما الواقع يؤكد أن اليسار، حتى ولو كان أضعف انتخابياً في بعض الدول الغربية، فإنه أقوى على مستوى الحركات الاحتجاجية وفي النواحي المتعلقة بالقضايا الدولية، كما أنه لا يزال أكثر راديكالية في دول الجنوب العالمي.
ولا شك أنّ العدوان على قطاع غزة (الذي بدأ في 7 أكتوبر 2023) والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (بداية من 28 فبراير 2026) شكلتا فرصة ما لعودة التيارات اليسارية، خاصة من خلال تعزيز خطاب معاداة الإمبريالية ومكافحة الاستعمار.
طبيعة اليسار اليوم: الفارق بين الشمال والجنوب
لا بد هنا من الاعتراف بأن ثمة فوارق جوهرية بين طبيعة اليسار في دول الجنوب العالمي (مثل أمريكا اللاتينية، أفريقيا، الوطن العربي، وأجزاء من آسيا) واليسار في أوروبا (خاصة الغربية).
فاليسار الأوروبي (والغربي عموماً) يعتبر أكثر “إصلاحية” وميلاً لمفاهيم الديمقراطية الاجتماعية، كما أنه ينبع من التراث الصناعي والطبقة العاملة الأوروبية، ويركز على إصلاح النظام الرأسمالي داخلياً عبر دولة الرفاه والضرائب التصاعدية وحماية الحقوق الاجتماعية.
كما يلاحظ أنه ينزع إلى “الحلول الوسطى” التي تُجنّبه الصدام مع القوى المسيطرة على الأسواق من جهة، أو القرار العالمي من جهة أخرى، وهو نزوع برز بشكل أكبر مع سقوط الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات. في الوقت ذاته تراجع اهتمامه بحقوق الطبقات العاملة، وتصاعد الاهتمام بقضايا من قماشة مختلفة، مثل قضايا البيئة والمهاجرين و”المثليين جنسياً”.
هذا اليسار يتبنى خطاً عاماً يرفض سياسات ترامب و”إسرائيل”، وإن كان على أُسس تتعلق بـ”حقوق الإنسان” والقانون الدولي، لكنه يوازن موقفه بالشكل الذي يمنعه من تأييد أي شكل مقاوم للاحتلال الإسرائيلي أو رافض النظام العالمي الذي تقوده واشنطن.
في المقابل، يتشكل يسار الجنوب العالمي في سياق تاريخي مختلف، حيث لا تزال تجربة الاستعمار حاضرة بقوة. هنا، يُنظر إلى الرأسمالية كنظام عالمي غير متكافئ تُهيمن عليه دول الشمال. لذلك، يرتبط اليسار بخطاب السيادة الوطنية ومقاومة التدخلات الخارجية والتضامن مع الشعوب المضطهدة
لذا يعتبر “اليسار الجنوبي” أكثر راديكالية، وغالباً ما يمزج بين الاشتراكية والقومية، ويضع فلسطين في قلب رمزيته كقضية استعمار استيطاني، بالقدر نفسه الذي يركز فيه على قضايا الفقر والاستقلال الاقتصادي ومواجهة الشركات متعددة الجنسيات والعمل على الحدّ من الديون الخارجية.
هذا الفارق يفسر لماذا كان رد الفعل أقوى في الجنوب، حيث يشكل اليسار أساساً رئيسياً للمواقف الشعبية الرافضة لواشنطن و”تل أبيب”، مستنداً إلى أيديولوجيا معادية للإمبريالية وداعمة للمقاومة ضد الاستعمار.
كيف أعادت غزة وإيران تشكيل حضور اليسار العالمي؟
الحرب على غزة، ثم العدوان على إيران أعاد اليسار إلى الواجهة العالمية، لكن بأشكال مختلفة:
في دول الجنوب، لم يكن الحضور مجرد عمل احتجاجي، بل تحوّل إلى سياسات رسمية، كما هو الحال أمريكا الحنوبية، حيث قاد زعماء يساريون مثل غوستافو بيترو في كولومبيا، ولولا دا سيلفا في البرازيل، وكلوديا شينباوم في المكسيك، ونيكولاس مادورو -قبل اختطافه بواسطة القوات الأميركية-، مواقف حادة شملت قطع علاقات أو تخفيضها مع “إسرائيل”، وتبنّي خطاب يصف ما يجري بالإبادة الجماعية.
كما وصفت كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران بـ “العدوان الإمبريالي”، وخرجت مظاهرات لإدانة القصف الأميركي للمدارس والمصالح المدنية الإيرانية، بينما دعت البرازيل والمكسيك وكولومبيا في بيان مشترك إلى الدبلوماسية.
وفي جنوب أفريقيا، أيضاً، لعب اليسار داخل المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) وحلفائه دوراً محورياً في قيادة المسار القانوني الدولي ضد “إسرائيل”، مستنداً إلى إرث النضال ضد نظام الفصل العنصري.
أما في الوطن العربي، فرغم ضعف التنظيمات اليسارية التقليدية، كان حضورها واضحاً في المظاهرات وحملات التضامن، وتقريباً، كانت هي، بالتعاون مع التنظيمات العروبيّة، المحرّك الأساسي للشارع العربي لرفض الجرائم الإسرائيلية بحق أبناء قطاع غزة، ولإدانة العدوان على إيران خلال الشهرين الماضيين؛ خاصة في ظل تراجع تأثير حركات “الإسلام السياسي”، بعد تجربة الربيع العربي، وما تلاها من أحداث.
أما في أوروبا، فقد اتخذ الحضور شكلاً مختلفاً، حيث خرجت مظاهرات واسعة للتعبير عن التضامن مع أبناء قطاع غزة، وانتشرت الحملات التي تدعو لمقاطعة الشركات الإسرائيلية أو تلك التي تتعاون مع حكومة بنيامين نتنياهو.
وقد شكّلت حكومة بيدرو سانشيز في أسبانيا نموذجاً تقدمياً وإيجابياً للغاية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهو نابع من الائتلاف اليساري الذي يدير الأمور في العاصمة مدريد حالياً، والذي يلعب فيه “تحالف Sumar” (سومار)، المعروف بمواقفه الراديكالية، دوراً بارزاً.
حيث اعترفت الحكومة الإسبانية بالدولة الفلسطينية، كما خفّضت العلاقات مع “إسرائيل”، وطرحت فكرة حظر توريد السلاح، بل ودعت الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة اتفاق الشراكة. وعندما بدأت الحملة العسكرية الأميركية على إيران، أدانت اسبانيا العدوان، ورفضت منح الجيش الأميركي صلاحية استخدام قواعدها العسكرية، وهو ما دفع البيت الأبيض للتهديد بفرض عقوبات على الحكومة الإسبانية.
وفي الولايات المتحدة، بذل أعضاء في الكونغرس محاولات متكررة لتقييد الصلاحيات الحربية للرئيس دونالد ترامب من خلال قرارات تطبيق قانون صلاحيات الحرب (War Powers Resolution)، بالتوازي مع تصاعد الرفض الشعبي داخل الولايات المتحدة للانخراط في حرب واسعة مع إيران، وسط مخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الحرب، خاصة أن الحرب لات يُنظر لها باعتبارها خدمة لأحلام بنيامين نتنياهو الرامية إلى السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا.
وفي فرنسا، خرجت مظاهرات للتعبير عن رفض السياسات الأميركية والإسرائيلية، وفي هذا السياق برز السياسي الفرنسي، جان لوك ميلانشون والمعروف بمواقفه الداعية لإقامة دولة فلسطينية والرافضة للسياسات الإمبريالية الأميركية.
النماذج الدولتية لليسار وتحدي الهيمنة الغربية
في سياق الحديث عن اليسار بشكل عام، يحدث تجاهل لحقيقة أن الصين، التي هي اليوم مصنع العالم وثاني أكبر اقتصاد عالمي، محسوبة على التجارب اليسارية. فرغم كل الجدل حول طبيعة نظامها السياسي، فالصين محكومة بواسطة الحزب الشيوعي الصيني، وتتبنى “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، وتلعب دوراً محورياً في دعم الجنوب العالمي اقتصادياً وسياسياً، خاصة في مواجهة الهيمنة الغربية.
كذلك لا يمكن إغفال دور الحزب الشيوعي الروسي، بقيادة غينادي زيوغانوف، في التصدي لسياسات الخصخصة والتصالح مع الغرب طوال فترة التسعينيات، وكيف أنه أوشك على الإطاحة ببوريس يلتسين من منصب الرئيس أكثر من مرة. وحتى اليوم يلعب الحزب الشيوعي دوراً في الضغط على الحكومة لاتخاذ مواقف أكثر راديكالية في مواجهة الهيمنة الأميركية أو الدفاع عن المصالح الوطنية أو تشكيل تحالفات مع دول الجنوب.
كذلك، هناك مثال كوريا الشمالية، والتي لعبت دوراً تاريخياً في دعم مصر وسوريا خلال المعارك مع العدو الاسرائيلي خلال سبعينيات القرن الماضي، وتعاونت مع إيران منذ الثمانينات في تطوير التكنولوجيا الخاصة بالصواريخ الباليستية. ولا تزال كوريا، التي يحكمها حزب العمال الكوري (WPK)، ترفض التعاون مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي، كما تدين أي عدوان أميركي ضد أي دولة بالعالم من فنزويلا وحتى إيران.
اليسار كأفق مفتوح
في المحصلة، لا يمكن اختزال اليسار في نتائجه الانتخابية أو في صعوده وتراجعه داخل مؤسسات الحكم، بل ينبغي فهمه بوصفه تعبيراً دائماً عن تناقضات بنيوية عميقة في النظام الرأسمالي العالمي. فكلما اتسعت الفجوة بين الشمال والجنوب، واشتدت أشكال الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، عاد اليسار ليطرح نفسه كأداة تفسير ومقاومة في آن واحد، حتى وإن تغيّرت أشكاله التنظيمية وخطاباته السياسية.
قد يعكس تراجعه في بعض الدول الغربية أزمة في بنيته التقليدية، خاصة مع تحوّله نحو الإصلاحية وابتعاده عن قواعده الاجتماعية التاريخية، إلا أن ذلك لا يلغي حضوره المتجدد في الحركات الاحتجاجية، ولا تأثيره المتزايد في القضايا الدولية الكبرى، وعلى رأسها فلسطين ومواجهة الحروب ذات الطابع الإمبريالي.
في المقابل، يستمر اليسار في الجنوب العالمي في أداء دور أكثر راديكالية، مستنداً إلى إرث طويل من مقاومة الاستعمار والسعي نحو الاستقلال والسيادة.
ضمن هذا السياق، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقطاب، حيث تعود الأيديولوجيا إلى الواجهة، لا كخيار نظري، بل كضرورة سياسية وتاريخية تفرضها طبيعة الصراع الدولي وحدوده المتفجرة.
كاتب مصري
