الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيواشنطن تعترف بالهزيمة الاستراتيجية!.. بقلم ياسر مختار

واشنطن تعترف بالهزيمة الاستراتيجية!.. بقلم ياسر مختار

سودان تمورو

درجت بعض وسائل الإعلام العربية في الآونة الأخيرة على ترويج سردية إعلامية مفادها أن حصار الموانئ الإيرانية يوجه ضربة قاصمة لطهران، تتجاوز بأضعاف مضاعفة ما تتكبده الولايات المتحدة وحلفاؤها جراء إغلاق مضيق هرمز. سعت هذه الآلة الإعلامية إلى رسم صورة وردية لانتصار أمريكي محتوم، مستندة إلى حسابات عسكرية غير مكتملة تتجاهل تعقيدات الاقتصاد العالمي وتشابكات الجغرافيا السياسية. غير أن هذه السردية سرعان ما تبددت على صخرة الواقع، ولم يأتِ التفنيد هذه المرة من خصوم واشنطن، بل جاء ليقطع قول كل خطيب من عقر دار المؤسسة الأمريكية العميقة، على لسان ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، الذي قدم قراءة استراتيجية تنسف ما تروج له تلك المنابر.

في قراءته العميقة للمشهد الراهن، يقر هاس بواقع مرير يتجرعه صانع القرار الأمريكي، مؤكداً أن عامل الوقت في هذه المرحلة الحرجة يلعب لصالح الجانب الإيراني أكثر من أي طرف آخر. فالبرغم من الضغوط الاقتصادية الهائلة التي ترزح تحتها طهران، أثبتت الأخيرة قدرة لافتة على الصمود، في حين بدأت واشنطن تستشعر وطأة ضغط الوقت والتداعيات الكارثية لأزمة الطاقة. فالواقع الميداني المتمثل في إغلاق مضيق هرمز يحمل في طياته تبعات متصاعدة، لم يظهر من جبل جليدها حتى الآن سوى القليل، وما خفي كان أعظم.

ورغم حالة الهدوء النسبي والخادع التي تخيم على أسواق الأسهم العالمية وحتى أسعار الطاقة في اللحظة الراهنة، يحذر هاس من وهم الاستقرار؛ فالزيادة المبدئية التي شهدتها أسعار البنزين بواقع دولار واحد للغالون ليست سوى البداية. إذ أن استقرار الأسواق يعود بالأساس إلى أن آخر ناقلات النفط التي غادرت المنطقة قد وصلت للتو إلى وجهاتها النهائية. ومع نضوب هذه الإمدادات، سيبدأ العالم بالشعور بالاختناق الحقيقي ونقص المعروض، مما ينذر بارتفاعات إضافية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لتصبح فكرة وصول سعر غالون البنزين إلى خمسة دولارات واقعاً غير مستبعد على الإطلاق، وهو ما يمثل كابوساً للداخل الأمريكي.

هذه المؤشرات الاقتصادية تنعكس بشكل مباشر على ميزان القوى العالمي، لتجعل الولايات المتحدة تشعر بضغط يفوق ما تشعر به إيران. فبنظرة بانورامية على الخريطة الجيوسياسية، تبدو واشنطن وكأنها تخوض حرباً بالوكالة لصالح خصومها الاستراتيجيين؛ حيث تجني الصين ثمار هذه الأزمة، وتستفيد روسيا من تداعياتها، في حين يقف حلف شمال الأطلسي (الناتو) موقف الضعيف المتفرج.

ولن يكون حكم التاريخ رحيماً بصناع القرار في واشنطن؛ فكما يرى هاس، سيكتب المؤرخون عن هذه المواجهة بوصفها “حرب خيار” غير مدروسة وعميقة التهور. فرغم التفوق العسكري الأمريكي على الورق وضعف الآلة العسكرية الإيرانية بالمقارنة، إلا أن الأثمان الاقتصادية، وتصدع التحالفات، والضربة القاصمة التي تلقاها النفوذ والمكانة الأمريكية، كانت باهظة للغاية. ولم يسلم الشركاء المحليون لواشنطن في منطقة الخليج من شظايا هذه المغامرة، بل كانوا في طليعة المتضررين.

لقد سقطت واشنطن في فخ حساباتها الخاطئة، وسيحكم التاريخ بقسوة على تلك الافتراضات الساذجة التي بُنيت عليها هذه الحرب؛ كافتراض أن إيران لن تقوى على المقاومة، أو أنها لن تتجرأ على ضرب القواعد الأمريكية، أو أنها لن تمتلك القدرة على إغلاق مضيق هرمز. لقد ثبت بطلان كل هذه الفرضيات الواحدة تلو الأخرى، لتجد الولايات المتحدة نفسها أمام مفارقة استراتيجية مؤلمة: نعم، قد تربح واشنطن في الحسابات العسكرية الضيقة ولغة الأرقام وأعداد الخسائر البشرية، لكنها في المفهوم الاستراتيجي الشامل والعميق، تخسر هذه الحرب بامتياز.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات