الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحان وقت البحث عن تسوية شاملة للصراع في المنطقة .. حسن نافعة

حان وقت البحث عن تسوية شاملة للصراع في المنطقة .. حسن نافعة

سودان تمورو

لا يستطيع أحد التكهّن بمدى ما تنطوي عليه الهدنة الحالية من قدرة على الصمود، خصوصاً وأنّ الخبرة المستمدّة من نمط العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في الفترة الأخيرة تشير إلى أنّ الحرب قد تندلع بينهما من جديد في أية لحظة، حتى لو استؤنفت المفاوضات مرّة أخرى.

فالحرب الأولى على إيران، والتي بادر الكيان الصهيوني بشنّها في 13 حزيران/يونيو الماضي والتحقت بها الولايات المتحدة في الـ21 من الشهر نفسه، اندلعت في وقت كانت فيه المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة تجري على قدم وساق، وكان الوسيط العماني يشيد بالتقدّم الذي تحرزه. والحرب الثانية على إيران، والتي كانت حرباً إسرائيلية أميركية مشتركة هذه المرة، شنّت كذلك في وقت كانت فيه المفاوضات تجري على قدم وساق وكان الوسيط العماني يشيد بالتقدّم الذي تحرزه.

لذا فإنّ العودة إلى التفاوض من جديد لن تشكّل ضمانة تحول دون استئناف الحرب وقد لا تفضي بالضرورة إلى اتفاق ينهي هذه الجولات المتكرّرة من القتال. فحتى كتابة هذه السطور كان ترامب لا يزال يصرّ على أنّ أيّ مفاوضات جديدة تجرى مع إيران يجب أن تحقّق ما لم يتمكّن من تحقيقه بالحرب، أي إلى:

1- تفكيك برنامج إيران النووي بالكامل ونهائياً، بما في ذلك التزام إيران بعدم إجراء أيّ تخصيب لليورانيوم على أراضيها و تسليم كلّ ما تحوزه من يورانيوم مخصّب بنسبة 60%.

2- تقليص برنامج إيران الصاروخي بما يؤدّي إلى عدم إنتاج صواريخ يزيد مداها على 200 كم.

3- قطع إيران لكلّ أشكال العلاقة مع: حماس والجهاد في فلسطين، حزب الله في لبنان، أنصار الله في اليمن، الميليشيات المسلحة في العراق. ولأنّ إيران لم تهزم في أيّ من الحربين ولا تزال قادرة على اسئناف القتال، وبالتالي إلحاق الأذى ليس بالكيان الصهيوني والمصالح الأميركية في المنطقة فحسب وإنما أيضاً بالنظام الاقتصادي العالمي ككلّ، فليس من المتوقّع أن تستسلم للمطالب الأميركية، ما يعني أنّ ترامب سيجد نفسه مضطراً إن آجلاً أو عاجلاً للاختيار بين بدائل ثلاثة، جميعها مرّ: استئناف القتال، أو تجميد الوضع على ما هو عليه، أو البحث عن حلول وسط تفضي لإنهاء الحرب ورفع العقوبات المفروضة على إيران.

خيار استئناف القتال يبدو مستبعداً لأسباب كثيرة، أهمها إجماع الخبراء العسكريين على أنّ القصف الجوي والصاروخي لا يكفي لتحقيق انتصار حاسم في الحرب على إيران ويحتاج إلى اجتياح بري لا تقدر عليه الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ولا سيما أنه يتطلّب الزجّ بمئات الآلاف من الجنود في المعركة.

ومع ذلك فإنّ صعوبة التكهّن بالتصرّفات غير العقلانية للرئيس ترامب، من ناحية، وقدرة نتنياهو على التأثير المستمر على تفكير ترامب، من ناحية أخرى، تجعل من استئناف الضربات الجوية والصاروخية في أيّ وقت أمراً غير مستبعد، رغم عدم جدواها على الصعيد الاستراتيجي، بل وسوف يؤدّي اللجوء إليها على الأرجح إلى تعميق مأزقه الحالي وتضييق سبل الخروج منه.

أما خيار إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، والذي يعني استمرار الولايات المتحدة في فرض الحصار على الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج واستمرار إيران في فرض سيطرتها على مضيق هرمز، فربما يكون أقلّ كلفة من الخيار الأول لكنه لا يخلو بدوره من العيوب، خصوصاً في ظلّ تباين وجهات النظر حول مدى قدرة كلّ من الطرفين المتصارعين على تحمّل تكاليفه وأعبائه السياسية والاقتصادية. فبينما يرى البعض أنّ إيران لن تقوى على مواجهة الحصار نظراً لكلفته الاقتصادية الباهظة، يرى آخرون أنّ الولايات المتحدة هي من سيصرخ أولاً بسبب عدم قدرتها على تحمّل ردّات الفعل الناجمة عن تأثير إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي، كما يرون في الوقت نفسه أنّ إيران ستتمكّن بسهولة أكبر نسبياً من مواجهة الحصار على موانئها، وذلك لأسباب كثيرة، أهمها:

1- طول حدودها البرية مع الدول المجاورة، ما يؤمّن لها حرية الحركة وقدرة على التواصل مع الخارج، استيراداً وتصديراً، عبر وسائل النقل البري وخطوط السكك الحديدية.

2- القدرة على الوصول إلى روسيا وكازاخستان عبر موانئها المطلة على بحر قزوين.

3- خبرتها المكتسبة في التعامل مع عقوبات قاسية فرضت عليها على مدى عقود طويلة، بما في ذلك العقوبات التي فرضت على مبيعاتها النفطية، وتمكّنت من الالتفاف على العديد منها.

تلك كلّها عوامل تساعد إيران على تحمّل تبعات حصار يحتاج في العادة، وفي جميع الأحوال، إلى وقت طويل نسبياً كي يمارس تأثيره، خصوصاً وأنّ إيران كانت قد تمكّنت من تحقيق اكتفاء ذاتي في مجالات عديدة مختلفة.

لم يبقَ أمام الولايات المتحدة، في ضوء ما تقدّم، من خيار آخر سوى أن تضطر في نهاية المطاف للموافقة على تقديم تنازلات تؤدّي لإنهاء الحرب ورفع العقوبات، لن يكون من السهل على الرئيس ترامب أن يقبل به لسببين؛ الأول: أنّ أيّ تنازل يقدّمه لنظام سعى علناً لإسقاطه سيعدّ اعترافاً صريحاً بالفشل وبالهزيمة، وبالتالي ستكون له انعكاسات سلبية كبيرة على الداخل الأميركي، قد يكلّفه فقدان الأغلبية التشريعية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وربما يتسبّب في الإطاحة به في نهاية المطاف.

الثاني: أنّ لدى نتنياهو مصلحة مؤكّدة في استئناف الحرب مع إيران، وبالتالي فكلّ تنازل يقدّمه بعيداً عن هذا الخيار سيساعد حتماً على تفجير خلافات معه، وهو ما ظلّ ترامب يحرص على تجنّبه طول الوقت. ولأنّ برنامجها النووي هو المجال الوحيد الذي قد تقبل إيران تقديم تنازلات فيه، نظراً لحرصها الشديد على إثبات سلميّته، بينما يبدو نتنياهو مهتماً أكثر بتوسيع نطاق التنازلات لتشمل فرض قيود صارمة على برنامج إيران الصاروخي وإجبار إيران على قطع علاقاتها نهائياً بكلّ مكوّنات محور المقاومة، وهو ما لا يتوقّع أن تقبل به، ما يدفعنا للاعتقاد بأنّ جميع الخيارات المحتملة نظرياً تبدو غير مرجّحة عملياً، فكيف وصلت تفاعلات المنطقة والعالم إلى هذا المأزق المستحكم، وما المخرج؟

الواقع أنّ الاستعصاء الحالي لأزمات المنطقة يعود إلى سبب جوهري، مفاده أنها أزمات تداخلت وتشابكت إلى درجة أصبح من المتعذّر معالجة أيّ منها بمعزل عن الآخر، لذا تبدو الحاجة ماسّة إلى نهج جديد يسمح بمعالجتها بطريقة شاملة ومتوازية في الوقت نفسه.

ويعود هذا التداخل، من ناحية، إلى تناقضات كامنة في بنية المشروع الصهيوني نفسه، وأخرى كامنة في بنية السياسات الإسرائيلية تجاه دول المنطقة، من ناحية أخرى. ولأنّ المشروع الصهيوني توسّعي بحكم بنيته، فمن الطبيعي أن يشكّل مصدر تهديد لكلّ الأطراف المستهدفة، التي لا تقتصر على الدول المجاورة للكيان الصهيوني فحسب وإنما تمتد لمجمل دول المنطقة ككلّ.

صحيح أنّ جوهر الصراع يعود إلى التناقض القائم مع الشعب الفلسطيني بالذات، لأنّ المشروع الصهيوني استهدف منذ البداية الاستيلاء على كامل أرضه ووطنه التاريخي، غير أنّ نزعته التوسّعية الكامنة دفعته للتطلّع إلى ما هو أوسع والاستيلاء بالتالي على مساحات شاسعة من الأراضي المملوكة لشعوب أخرى، منها سيناء في مصر، والجولان في سوريا، وجنوب الليطاني في لبنان…إلخ.

ولأنّ نزعته التوسّعية نحو التمدّد في أراضي الغير صاحبتها نزعة موازية نحو الهيمنة على المنطقة كلّها، بدليل أنّ السياسة الخارجية للكيان الصهيوني تمحورت حول حرصه الدائم على تحقيق التفوّق العسكري على دول المنطقة مجتمعة وعدم السماح لأيّ دولة أخرى في المنطقة بالتفوّق عليه، ما يفسّر صدامه الحالي مع إيران، والذي يستهدف في جوهره تجريدها من كلّ مظاهر القوة والنفوذ.

قد تؤدّي الموازين التي أفرزتها التفاعلات الناجمة عن جولة القتال الأخيرة، إلى تجميد الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة عند خطوط القتال الحالية، ولا سيما أنّ التحالف الصهيوأميركي الذي تشكّل في مواجهة “محور المقاومة” مقبل على استحقاقات انتخابية مهمة هذا العام (انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الولايات المتحدة والانتخابات التشريعية العامة في الكيان الصهيوني).

غير أنّ هذا التجميد لن يؤدّي إلى حلّ دائم للصراع في المنطقة، ومن ثم فلا بدّ له أن ينفجر من جديد في جولات قتال دورية، لا يستطيع أحد أن يتكهّن منذ الآن متى ولا كيف ستحدث، ما لم يبدأ التفكير جدياً في تسوية شاملة ومتوازنة لهذا الصراع. وفي تقديري أنّ بوسع إيران، التي حال صمودها دون وقوع المنطقة تحت الهيمنة الصهيوأميركية، أن تقدّم إسهاماً مهماً لمناقشة وبلورة المعالم الرئيسية لمثل هذه التسوية الشاملة، وذلك بالتعاون مع الدول العربية والإسلامية الرئيسية في المنطقة.

ففي مقابل ما يطرحه التحالف الصهيوأميركي من تسويات جزئية منفصلة مع أطراف النزاع في المنطقة، تقوم في شقّها الفلسطيني على نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي شقّها اللبناني على نزع سلاح حزب الله، وفي شقّها الإيراني على التفكيك الكامل لبرنامج إيران النووي والحدّ من برنامجها الصاروخي وقطع أواصر العلاقة مع باقي مكوّنات محور المقاومة، وكلّها تسويات تكرّس للهيمنة الصهيونية على المنطقة، ينبغي أن تتعاون الدول العربية والإسلامية الرئيسية في المنطقة، خصوصاً مصر والسعودية وتركيا وإيران وباكستان، لتقديم طرح بديل لتسوية شاملة للصراع في المنطقة، يقوم على العناصر الآتية:

1- انسحاب “إسرائيل” من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 كافة.

2- إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على كامل الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.

3- إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل ومن القواعد العسكرية الأجنبية.

4- دمج الحركات والفصائل المسلّحة في جيوش الدول المعنية بعد التوصّل إلى تسويات سياسية تضمن إقامة نظم سياسية مركزية تمثّل الجميع وقادرة على حماية الأوطان.

5- الاتفاق على إطار مؤسسي أمني جامع يحول دون اندلاع سباق تسلّح في المنطقة، ويحافظ على توازن القوى بين دولها كافة، وتضمنه القوى الكبرى من خلال قرار يصدر عن مجلس الأمن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن نافعة
حسن نافعة
أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات