الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعندما يصنع الغرب أعداءه بيده!.. بقلم سالم صديق

عندما يصنع الغرب أعداءه بيده!.. بقلم سالم صديق

سودان تمورو

في واحدة من أكثر المفارقات السياسية سخرية في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، نجح الغرب في تحقيق ما عجز عنه النظام الإيراني طوال عقود: توحيد الشعب الإيراني خلف قيادته. لم يكن ذلك بفعل عبقرية سياسية إيرانية، بل بفضل جهل غربي مركب بطبيعة المجتمعات التي يسعى لتغييرها. فالضربات العسكرية التي صممت لإضعاف النظام تحولت إلى درع يحميه، والعقوبات الاقتصادية التي فرضت لخنقه باتت الذريعة المثالية لتبرير التحديات الاقتصادية، والاغتيالات التي نفذت لزعزعة استقراره منحته فرصة ذهبية لتعزيز الالتفاف حوله تحت شعار الدفاع عن السيادة الوطنية.

قبل أن تندلع المواجهة المباشرة، كانت إيران تواجه تحديات داخلية ملحوظة. ضائقة اقتصادية أثرت على الطبقة الوسطى، ومطالب شعبية واجتماعية بالإصلاح وتحسين الأوضاع. ورغم أن مؤسسات الدولة كانت متماسكة وقادرة على إدارة هذه التحديات ضمن أطرها، إلا أن التدخل الخارجي الفج جمّد أي مسار تطوري أو إصلاحي طبيعي في الداخل، ومنح القيادة الإيرانية ما كانت تفتقده: عدواً خارجياً واضحاً يمكن استثماره لإعادة هيكلة السلطة وتوحيد الجبهة الداخلية.

هنا تكمن الخطيئة الإستراتيجية الكبرى. لقد تعامل صناع القرار في واشنطن وتل أبيب مع إيران وكأنها نظام هش متمحور حول شخص القائد ينهار بمجرد إغتياله أو تسليط أقصى درجات الضغط عليه. لكنهم أغفلوا حقيقة جوهرية: الدولة الإيرانية طورت على مدى عقود بنية مؤسسية معقدة ومتعددة الطبقات، صممت خصيصاً لامتصاص الصدمات وضمان ديمومة النظام واستقراره في أحلك الظروف. والأهم من ذلك، أغفلوا حقيقة أعمق: الإيرانيون، بمختلف توجهاتهم ومواقفهم من سياسات الحكومة، يرفضون بشدة أن تُفرض عليهم التغييرات عبر مخطط خارجي.

هذا الرفض ليس مجرد دفاع عن النظام بقدر ما هو دفاع عن الكرامة الوطنية. فالإيراني الذي كان يطالب بالإصلاح في شوارع طهران، يجد نفسه فجأة في مواجهة خيار أكثر قسوة: إما أن يقف مع حكومة بلاده، أو أن يقبل بانتهاك سيادة وطنه على يد قوى خارجية. وفي هذه المعادلة الصعبة، يختار الكبرياء القومي على حساب أي تطلعات سياسية أخرى. هذا ما فشل الغرب في فهمه، وهذا ما حوّل الضغط الخارجي من أداة لإضعاف النظام إلى صمام أمان يعزز مناعته الداخلية.

اليوم، يقف الغرب أمام نظام إيراني مختلف تماماً عما كان عليه قبل سنوات. قيادة ولدت من رحم الأزمات وتصلبت في أتون المواجهة، تخلت عن الحذر التقليدي الذي اتسمت به القيادات السابقة. نظام بات أكثر هجومية، لا يتردد في إغلاق مضيق هرمز، ويرفض مطلقاً إنهاء أي مواجهة عسكرية دون الحصول على ضمانات إستراتيجية صلبة. قد تبدو طهران، وفق الحسابات الغربية الورقية، قد أنهكت بفعل الضربات، لكنها على أرض الواقع الميداني والسياسي أصبحت أكثر مرونة وصلابة ومناعة ضد الانكسار.

والكابوس الأكبر يتجلى في الملف النووي. فمع غياب القيادة السابقة، تلاشت معها الفتوى الدينية التي كانت تشكل كابحاً ذاتياً أمام التسلح النووي. وفي ظل امتلاك طهران اليوم لمخزون يقدر بنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، فإن البنية التحتية التقنية لصناعة القنبلة باتت جاهزة. وتحت قيادة جديدة تضع الأمن والبقاء فوق كل اعتبار، فإن العتبة السياسية لاتخاذ قرار تصنيع السلاح النووي قد انخفضت إلى أدنى مستوياتها التاريخية. لم تعد القنبلة مجرد ورقة تفاوضية، بل باتت تُرى كبوليصة التأمين النهائية لضمان السيادة والبقاء.

هكذا، وبسوء تقدير فادح، حوّل الغرب إيران من دولة تدير تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، إلى قوة إقليمية أكثر تشدداً وأقل قابلية للتوقع، تقف على عتبة امتلاك السلاح النووي. لقد أراد الغرب كسر طهران، فدفعها، بجهله، نحو حافة التحول إلى قوة نووية لا تقهر. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: متى سيتعلم الغرب أن التغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج، وأن الشعوب، مهما اختلفت مع حكوماتها، ترفض أن تكون ساحة لتجارب الهندسة السياسية الخارجية؟ الإجابة، على ما يبدو، لا تزال بعيدة المنال.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات