الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباركيف صاغ الطيب صالح وعبد الله الطيب ملامح العقلانية السودانية؟

كيف صاغ الطيب صالح وعبد الله الطيب ملامح العقلانية السودانية؟

سودان تمورو

إن الغوص في عوالم الطيب صالح عبر “موسم الهجرة إلى الشمال” و”عرس الزين” والتبحر في فكر العلامة عبد الله الطيب عبر “المرشد إلى فهم أشعار العرب” وسيرته وخطاباته، لا يمثلان مجرد سياحة أدبية في عبقرية السرد والنقد السودانيين، بل هما في جوهرهما ولوجٌ إلى نسق فكري عميق يمكننا أن نطلق عليه اصطلاحاً “العقلانية السودانية”. هذه العقلانية ليست تفلسفاً مدرسياً جافاً، ولا هي مجرد مواعظ أخلاقية مجردة، بل هي فكر عملي وحكمة حياتية تشكلت وعجنت في مياه النيل، وصحارى السودان الواسعة، وتقاطعات التصوف مع السياسة، وصراع الإنسان البسيط من أجل المعاش والكرامة وسط تحولات السلطة والمجتمع.

في هذه العقلانية التي تبدو واضحة في شخوص الروايات السودانية، لا يُفترض في الإنسان أن يكون ملاكاً طاهراً ولا شيطاناً رجيماً. لقد قدم لنا الطيب صالح الإنسان بجميع تناقضاته؛ فهو الكادح الذي يلهث وراء كسرة الخبز، وهو ذاته الروح الظمأى للمعنى والتجلي. هو القريب من سطوة السلطة والوجاهة، والمشفق من بطشها في آن معاً. قد يكون جواداً كريماً كـ”الزين”، وقد تجتاحه نزعات الأنانية أو الانكسار كـ”مصطفى سعيد”. من هنا، تتبدى العقلانية السودانية في هذا الإرث الأدبي كعقلانية واقعية، مجربة، حذرة، وأخلاقية، تبتعد عن المثالية الحالمة التي لا تصمد أمام شمس الواقع الحارقة.

في أدبياتنا السودانية الخالدة، العقل يتجسد في قدرة الفرد على إدراك “الحدود والمقادير”، وتلك قمة النضج. الإنسان الحكيم في قرى النيل أو بوادي كردفان ودارفور، هو من يدرك متى يرفع صوته بالحق ومتى يلتحف بالصمت، متى يجنح للين والمسالمة، ومتى ينتصب كالطود المنيع دفاعاً عن كرامته. هذه العقلانية لا تصور العالم كساحة صراع صفري بين الخير المطلق والشر المطلق، بل تراه مسرحاً معقداً تتشابك فيه قيم السترة، والكرامة، والمصلحة، والتدبير، ووزن الأمور بميزان التجربة.

من هذه الزاوية، يقف عمالقة الأدب السوداني كأبرز معلمي “الاعتدال” في ثقافتنا. والاعتدال هنا لا يعني الانهزامية أو الركون للظلم، بل يعني تجنب الشطط، وإدراك الممكن، وفهم حدود القدرة البشرية وطبيعة المجتمع. تدرك هذه العقلانية أن العدالة إن تجردت من الحكمة قد تنقلب إلى انتقام، وأن الشجاعة بلا روية قد تورد موارد التهلكة، وأن السلطة متى ما تنكرت للأخلاق قادت البلاد عاجلاً أو آجلاً إلى مسارات الخراب والتشظي.

ولهذا السبب تحديداً، تفتح قراءتنا للطيب صالح وعبد الله الطيب أمامنا نوافذ لفهم فريد للسياسة وإدارة الشأن العام في السياق السوداني. فهما لا يزنان الحاكم أو ذي النفوذ بمعيار القوة المادية فحسب، بل بمقاييس المروءة، والإنصاف، والرحمة بالضعفاء. في هذه الرؤية الممتدة جذورها في وجداننا، لا يستقيم ظل المجتمع إلا إذا تحلت السلطة بالوعي الأخلاقي، ولا يُنظر إلى البسطاء والمهمشين كحالات تستوجب الشفقة، بل هم الترمومتر الحقيقي الذي يُقاس به تعافي الدولة وسلامة ضميرها.

إن هذه الأعمال الخالدة تشرع أبواباً على عقلانية لا تفصل الأخلاق عن قسوة الواقع، ولا تجرد الواقعية من نبل الأخلاق. أدباؤنا لم يكونوا وعاظاً سذجاً، ولم يكونوا براغماتيين بلا قلب؛ بل أرونا كيف يمكن للمرء أن يعاين العالم بكل قسوته وتقلباته، ويظل متمسكاً بإنصافه وتواضعه ومروءته. إنها باختصار مدرسة لتعلم “كيف نعيش”؛ حيث يندمج الأدب مع التدبير، وتجلس الحكمة في حضن الرحمة، لتعلمنا أن صلة الرحم الإنسانية وبناء الأوطان لا يستقيمان إلا بالتواضع الذي يزيد الكبار رفعة، وبالنبل الذي يمثل حجر الأساس لدوام أي مجتمع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات