الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي سقوط المتاريس البعيدة!.. بقلم يوسف سليم

 سقوط المتاريس البعيدة!.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

لا يُقاس العمق الاستراتيجي بالمسافات الجغرافية فحسب، بل هو فن إبقاء نيران الحرب بعيدة عن قلب الوطن. لقد سعت إيران، منذ الحقبة البهلویة وصولاً إلى عهد الجمهورية الإسلامية، إلى نقل ساحات المواجهة إلى ما وراء حدودها، لكن تآكل هذه الطبقات العازلة أعاد طاحونة الحرب لتطرق أبواب إيران وتتوغل في عمقها. في أبسط تعريفاته، يمثل العمق الاستراتيجي تلك المساحة التي تستخدمها الدولة لامتصاص الصدمات، وإبطاء تقدم العدو، وحماية أراضيها الأصلية، وإعادة بناء قدراتها الدفاعية. وهذه المساحة ليست جغرافية بالضرورة؛ فقد تتجسد في جبال وصحارى وأنهار، وقد تتشكل عبر تحالفات ونفوذ سياسي وشبكات عسكرية ودول صديقة، أو حتى قدرة دبلوماسية على إبقاء الأزمات بمنأى عن الحدود الوطنية، مما يجعل هذا المفهوم حجر الزاوية الذي يربط الأمن القومي بالجيوبوليتيك، محدداً حجم انكشاف الدولة أمام التهديدات الخارجية.

وإذا ما تأملنا التاريخ المعاصر لإيران، نجد أنه رغم أن التهديد الرسمي المُعلن في عهد الشاه كان يتركز شمالاً نحو الاتحاد السوفيتي، إلا أن التوجه الدفاعي العملي لطهران كان يتجه تدريجياً نحو الغرب والجنوب. هذا التحول يحمل دلالة بالغة الأهمية؛ فهو يؤكد أن النخب الأمنية الإيرانية لم تكن تفكر يوماً داخل صندوق الحدود الرسمية فقط، بل اعتبرت المحيط الإقليمي جزءاً لا يتجزأ من هندسة الأمن القومي. ولعل التواجد الإيراني في ظفار بسلطنة عمان، والتعاون مع أكراد العراق ضد حكومة البعث، ودعم شيعة لبنان، كانت البذور الأولى لبروز رؤية استباقية للأمن، تحاول من خلالها طهران التأثير في محيطها وتعزيز التحالفات التي تفصل سياسياً وأمنياً بينها وبين خصومها المحتملين قبل أن يصل التهديد إلى عقر دارها.

مع اندلاع الثورة الإسلامية، تبدل منطق هذه الاستراتيجية لكنه لم يندثر، بل أعادت الجمهورية الإسلامية صياغته بقالب أكثر أيديولوجية وإقليمية، موجهاً بالأساس ضد الوجودين الأميركي والإسرائيلي. وعقب أحداث عام 2001، وما تلاها من سقوط لطالبان في أفغانستان ثم نظام صدام حسين في العراق، برزت أمام إيران فرص تعزيز دعم “محور المقاومة” لتوطيد هذا الفضاء الاستراتيجي. هكذا، تحولت ساحات العراق وسوريا ولبنان تدريجياً إلى خطوط الدفاع الأولى في المواجهة مع النظام الأمني الذي تقوده واشنطن وتل أبيب. ووفقاً لهذه العقيدة، كان محظوراً أن تندلع شرارة الحرب في كرمانشاه أو الأهواز أو تبريز أو طهران، بل يجب احتواؤها في بغداد أو دمشق أو جنوب لبنان أو على مشارف الجولان، وهو ذات المنطق الذي تم تسويقه في الأدبيات الإيرانية د تحت غطاء “الدفاع خارج الحدود”.

لكن العمق الاستراتيجي ليس رصيداً أبدياً لا ينضب، فهو لا يؤتي أكله إلا إذا تمتعت حلقاته الخارجية بالتماسك والشرعية والقدرة العسكرية والاتصال الجغرافي. إن تراجع قوة حزب الله، واستنزاف المسار السوري، واختلال التوازنات في العراق، أدى بشكل مباشر إلى تقليص المسافة الفاصلة بين إيران والميدان الرئيسي للمعركة. وتُجمع التحليلات الحديثة على أن استنزاف حزب الله وانهيار أو تآكل شريان التواصل السوري شكلا ضربة قاصمة لنموذج العمق الاستراتيجي الإيراني؛ فسقوط سوريا أو تحييدها لم يكن مجرد حدث محلي في بلاد الشام، بل كان انهياراً لأحد أهم أعمدة الهندسة الأمنية الإيرانية، إذ لم تكن دمشق مجرد حليف سياسي، بل كانت جسر العبور إلى لبنان، ونقطة الضغط المتقدمة ضد إسرائيل، والحلقة المفقودة التي تربط العراق بالبحر المتوسط. ومع ضعف هذه الحلقة، فقد لبنان قدرته السابقة على الردع، ليتحول مفهوم “حرب الخنادق البعيدة” تدريجياً إلى “حرب على تخوم الحدود الإيرانية”.

لقد شكلت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، التي انطلقت بضربات إسرائيلية استهدفت منشآت نووية وعسكرية وبنى تحتية إيرانية وتوسعت بتدخل أميركي، نقطة التحول الجلية في هذا المسار الانحداري. أثبتت تلك المواجهة أنه عندما تتآكل الطبقات الخارجية للعمق الاستراتيجي، لن يضطر العدو للقتال في أزقة جنوب لبنان أو سوريا أو العراق، بل سيتمكن من توجيه ضرباته مباشرة إلى العمق الإيراني. ومما زاد الطين بلة، أن حرب الأربعين يوماً التي تلتها وامتدت نيرانها إلى الخليج ومضيق هرمز ولبنان، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن منطق الحروب الإقليمية قد تجاوز حقبة الاعتماد على قوى المقاومة الحليفة، ليضع طهران وواشنطن وتل أبيب في سلسلة تقاطع مباشر وصريح.

إن التجربة التاريخية تثبت أن العمق الاستراتيجي مشروع جيوسياسي معقد يتجاوز البعد العسكري البحت. ومنذ حقبة الشاه وحتى يومنا هذا، كافحت إيران لتعريف أمنها بعيداً عن حدودها الجغرافية. إلا أن زلازل عامي 2025 و2026 كشفت أن انهيار المتاريس الأمامية يجعل مسافات الحرب أقصر وأكثر دموية.
وأمام هذا الواقع المعقد، تقف طهران اليوم أمام سؤال وجودي حاسم: هل لا يزال بإمكانها إعادة ترميم عمقها الاستراتيجي الممزق، أم أنها ستُجبر على الانعطاف نحو عقيدة أمنية جديدة تعتمد بشكل أقل على قوى محور المقاومة في الخارج، وبشكل أكبر على الردع المباشر، والذي قد يكون الردع النووي أبرز خياراته؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات