السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي القراءة الأعمق للمواجهة الإيرانية الإسرائيلية!.. بقلم لطفي الشناوي

 القراءة الأعمق للمواجهة الإيرانية الإسرائيلية!.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

هل العداء الأيديولوجي الذي تكنه الجمهورية الإسلامية لإسرائيل هو السبب الحقيقي وراء اندلاع الحروب والمواجهات المفتوحة؟ يطرح هذا التساؤل المعقد نفسه بقوة في أروقة السياسة، وتأتي هذه السطور بمثابة محاولة للإجابة عنه بعيداً عن صخب الجدل السياسي المعتاد. وانطلاقاً من موقعي كباحث مصري يراقب المشهد الإقليمي، أطرح هنا مقاربة تستند إلى النظرة النظرية لواقع العلاقات الدولية، متجاوزاً الانخراط في أي مهاترات، لاسيما وأننا أمام ظاهرة تاريخية متعددة الأبعاد تستوجب تفكيكاً دقيقاً وعميقاً. فمن منظور “الواقعية الكلاسيكية الجديدة”، لا تكمن المعضلة الأساسية في الخطابات السياسية الرنانة التي يطلقها هذا الفاعل أو ذاك، بل في الموقع الذي تحتله كل دولة ضمن بنية النظام الدولي، ونوع التهديدات التي تدركها، وحجم القدرات التي تمتلكها لممارسة النفوذ، وكيفية توظيفها لضمان بقائها وتعزيز قوة ردعها. وإذا ما نظرنا من هذه الزاوية، سنجد أن اختزال الصراع الإيراني الإسرائيلي الأمريكي في مقولة “الجمهورية الإسلامية هي من بدأت العداء” هو تسطيح مخل؛ فهو وإن كان يلامس جزءاً يسيراً من المشهد، إلا أنه يتجاهل تماماً هيكل القوة، والتحول الجذري في مكانة طهران بعد الثورة، والمنطق الأمني المعقد لإسرائيل، فضلاً عن ديناميكيات التنافس الإقليمي.

في عهد الشاه، كانت إيران تمثل ترساً حيوياً في آلة المنظومة الأمنية الغربية في الخليج، وحليفاً إستراتيجياً للولايات المتحدة يقف سداً منيعاً أمام النفوذ السوفيتي، وينظر بعين الريبة إلى تمدد القومية العربية والعراق البعثي. ضمن هذا الإطار في ذروة الحرب الباردة، صيغت العلاقات الإيرانية الإسرائيلية؛ لم تكن علاقة مبنية على غرام أيديولوجي، بل أرستها قواعد ميزان القوى المطلق. فقد رأت طهران في تل أبيب فاعلاً غير عربي ومناهضاً للبعث يمكن توظيفه لصد العراق والنفوذ السوفيتي، بينما اعتبرت إسرائيل إيران حجر زاوية في “إستراتيجية الأطراف” التي تهدف إلى كسر عزلتها الجيوسياسية في محيطها العربي عبر نسج تحالفات مع القوى غير العربية في المنطقة.

لكن زلزال عام 1979 قلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ تحولت إيران من دولة تحافظ على الوضع القائم وتدور في الفلك الغربي، إلى فاعل ثوري متمرد على الهيمنة الأمريكية. لم يكن هذا مجرد تغيير في شكل النظام السياسي، بل كان تحولاً زلزالياً في تموضع إيران ضمن هيكل القوة الإقليمي. لم تعد طهران ركيزة للنظام الغربي، بل أعادت تعريف نفسها كقوة مستقلة ومناهضة لأمريكا وإسرائيل. ومن هنا، تبدلت النظرة تجاه إسرائيل التي لم تعد مجرد كيان أجنبي، بل جسدت في المخيال الثوري رمزاً للتحالف الوثيق بين الشاه وأمريكا، وارتبطت عضوياً بمأساة فلسطين. ولذا، فإن قرار قطع العلاقات مع تل أبيب ودعم القضية الفلسطينية يجب أن يُقرأ في سياق خروج إيران من عباءة النظام الأمني الأمريكي وتغير اصطفافاتها في الحرب الباردة.

غير أن المدرسة الواقعية تذكرنا دائماً بأن الأيديولوجيا وحدها لا تكفي لتفسير سلوكيات الدول. فحتى الجمهورية الإسلامية، ورغم خطابها الثوري، لم تتصرف بمنطق أيديولوجي أعمى في عقد الثمانينيات. ففي خضم الحرب الإيرانية العراقية، كان صدام حسين يمثل التهديد الوجودي الأبرز لطهران، وهو التهديد ذاته الذي كانت تستشعره إسرائيل تجاه العراق البعثي. أدى هذا التقاطع المعقد إلى تشكل مساحة من المصالح المشتركة بين طهران وتل أبيب، رغم العداء الرسمي والشعارات الغاضبة.
إسرائيل ليست مجرد فاعل دفاعي يبحث عن الحماية؛ بل هي في جوهرها، وفي العديد من الملفات، قوة “تعديلية” أو “رجعية” (Revisionist) بامتياز. لا يعني ذلك رغبتها في تدمير النظام بأكمله، بل رفضها للوضع القانوني والسياسي القائم، وسعيها الدؤوب لهندسة محيطها الإقليمي لضمان تفوقها الأمني والجغرافي المطلق. إن سياساتها التوسعية، ورفضها ترسيم حدود نهائية، وتكريسها للاحتلال منذ عام 1967، وتوسيع الاستيطان، وإجهاضها المنهجي لفرص قيام دولة فلسطينية، فضلاً عن ضرباتها الاستباقية ضد القدرات العسكرية والنووية لخصومها، كلها شواهد تؤكد أنها أبعد ما تكون عن كيان يكتفي بالدفاع عن الوضع القائم. ويُعد قصف مفاعل تموز العراقي عام 1981 نموذجاً صارخاً لهذا المنطق؛ فإسرائيل تتبنى عقيدة أمنية صفرية ترفض امتلاك أي قوة إقليمية لقدرات إستراتيجية قد تخدش كبرياء تفوقها العسكري، وهو ما يفسر سعيها الدائم لفرض قواعد اشتباك تمنع أي رادع إقليمي من التشكل.

لقد أسهمت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 في إعادة توجيه بوصلة القلق الإسرائيلي نحو العراق أولاً ثم إيران. وفي أعقاب تدمير القدرات العراقية في حرب عام 1991 ثم سقوط بغداد عام 2003، برزت إيران كالمنافس الإقليمي الأوحد لتل أبيب.
هذا الصعود الإيراني لم يكن وليد الخطاب الأيديولوجي فحسب، بل كان نتيجة طبيعية لفراغ القوة الذي خلفه انهيار العراق، وتطويق الولايات المتحدة لإيران من بوابتي أفغانستان والعراق، مما صعد من حدة التنافس المباشر بين الجانبين.

وفي هذا السياق المعقد، تبرز مسيرة “أوسلو” للسلام كمحطة فارقة؛ فلو قُيض لهذا المسار النجاح لكان من الممكن أن نشهد ولادة نظام إقليمي جديد. لكن اغتيال إسحاق رابين في 1995 على يد متطرف يميني، وصعود اليمين بقيادة نتنياهو، أفرغا السلام من مضمونه. لم يكن الاغتيال مجرد جريمة سياسية، بل كان وأداً لفكرة “التسوية الإقليمية”. اليمين الإسرائيلي المتطرف يرتعب من فكرة السلام، لأن السلام من منظور واقعي يعني التحول من “قوة مطلقة بلا حدود” إلى “دولة مقيدة بالتزامات قانونية وجغرافية”، ويعني التنازل عن حلم “إسرائيل الكبرى” والاعتراف بالفلسطينيين كشريك شرعي. لذا، تم تضخيم “الخطر الإيراني” وتحويله إلى أداة سياسية بامتياز لتوحيد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتهميش القضية الفلسطينية، والتملص من استحقاقات السلام، وضمان تدفق الدعم الأمريكي غير المشروط.

ومع التغيرات الإستراتيجية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ووجود القوات الأمريكية على تخوم الحدود الإيرانية بعد سقوط طالبان وصدام، اندفعت طهران نحو بناء منظومة “ردع غير متماثل” عبر دعم حلفائها الإقليميين في لبنان والعراق وسوريا. قد نختلف أو نتفق حول الكلفة الباهظة لهذه السياسة، لكن المنطق الواقعي يفسرها باعتبارها استجابة مباشرة لإدراك التهديد والضعف النسبي أمام الآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، ومحاولة لخلق عمق إستراتيجي رادع. التفسير هنا لا يعني التبرير؛ ففهم دوافع طهران أو تشريح العقلية الأمنية لتل أبيب يحررنا من القراءات الأخلاقية لنرى كيف تتصارع الدول في بيئة فوضوية بحثاً عن البقاء.

عندما جاء الاتفاق النووي عام 2015، تكشفت النوايا الإسرائيلية بوضوح. فرغم خضوع إيران لقيود صارمة، قاد نتنياهو حملة شرسة لإسقاط الاتفاق، مؤكداً أن معضلة تل أبيب لا تقتصر على القنبلة النووية، بل تكمن في رفضها القاطع لتقبل إيران كقوة إقليمية طبيعية تمتلك قدرات باليستية ونفوذاً يخل بالتفوق الإسرائيلي المريح. كان الاتفاق يهدد بإخراج إيران من خانة “العدو المطلق” ليدمجها في منظومة دبلوماسية تدير الأزمات، وهو ما دفع نتنياهو للذهاب إلى الكونغرس للتحريض، والاحتفاء لاحقاً بانسحاب ترامب من الاتفاق في مايو 2018 واصفاً إياه بـ”القرار التاريخي”. إستراتيجية “الضغوط القصوى” كانت بمثابة طوق النجاة لليمين الإسرائيلي لإعادة شيطنة إيران واستنزافها اقتصادياً بدلاً من استيعابها دبلوماسياً.

إن تسلسل الأحداث، من تدمير الاتفاق النووي مروراً بحرب الـ 12 يوماً في عام 2025 التي استهدفت خلالها إسرائيل مواقع حساسة بدعم أمريكي، وصولاً إلى حرب الـ 40 يوماً في عام 2026 التي شكلت تصعيداً غير مسبوق وحصاراً خانقاً استهدف إحداث “استنزاف هيكلي” للبنية الإستراتيجية الإيرانية، لا يمكن قراءته كحوادث منفصلة. إنها حلقات متصلة في سلسلة إستراتيجية مدروسة تهدف إلى تعديل ميزان القوى بالحديد والنار بعد أن فشل الخنق الاقتصادي في تركيع طهران.

ختاماً، حين نؤكد أن إسرائيل تمثل فاعلاً إقليمياً رافضاً للوضع القائم ويسعى لتعديله، فإننا نضع الأمور في نصابها الصحيح لنؤكد أن إسرائيل لا تخوض حرباً دفاعية بريئة. إنها تسعى لإعادة كتابة قواعد اللعبة الإقليمية لتكريس هيمنتها المطلقة، بدءاً من تصفية القضية الفلسطينية، مروراً بالاحتفاظ بغموضها النووي، وصولاً إلى تدمير قدرات خصومها وجر واشنطن لتمزيق أي تسويات سياسية. في هذا السياق، فإن النظرة الموضوعية تفرض علينا الإقرار بأن تل أبيب تحمل مشروعاً إقليمياً جلياً؛ وهو مشروع لا يحمل في طياته أي نوايا للسلام أو الاستقرار أو الديمقراطية، بل غايته القصوى هي تدمير إيران وإخضاع المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات